المحيط يرسل إشاراته والأسواق تترقب| "النينيو" تختبر مرونة الغذاء والطاقة عالميا

5-9-2026 | 12:09
عامر عبد الرحمن

ما يبدأ في المحيط الهادئ بتغير في درجات حرارة المياه، يمكن أن يصل تأثيره إلى أسعار الحبوب والطاقة وتكاليف الإنتاج وحسابات التجارة العالمية، وبين نقطة البداية في مياه المحيط ونقطة الوصول إلى الأسواق، تتحرك سلسلة من التأثيرات تجعل الظواهر المناخية حاضرة بصورة متزايدة في قرارات الإنتاج والتخزين والاستيراد والاستثمار.

وتكتسب ظاهرة «النينيو» أهمية اقتصادية خاصة في 2026، بعدما أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الظاهرة أصبحت راسخة، مع توقع استمرارها حتى أوائل 2027 واشتدادها خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع ارتفاع مخاطر الظواهر المناخية المتطرفة في مناطق مختلفة من العالم.

وفي الولايات المتحدة، يؤكد مركز التنبؤات المناخية التابع لـNOAA أن «النينيو» تزداد قوة، مع احتمال يتجاوز 90% لحدوث ظاهرة قوية جدا خلال خريف وشتاء 2026/2027. وسجل مؤشر Niño-3.4 في يوليو 2026 مستوى +1.4 درجة مئوية، بينما بلغ مؤشر Niño-1+2 نحو +2.9 درجة مئوية.

وتعني هذه التطورات أن «النينيو» تدخل إلى جانب الإنتاج والمخزونات والطاقة والتجارة ضمن مجموعة المتغيرات التي تراقبها الأسواق العالمية، خاصة في السلع التي تتأثر بسرعة بالطقس وتغيرات الإنتاج.

المحيط الهادئ يدخل حسابات الاقتصاد العالمي

«النينيو» إحدى مرحلتي ظاهرة «التذبذب الجنوبي – النينيو» ENSO، وهي دورة مناخية طبيعية ترتبط بتغيرات درجات حرارة سطح البحر في المحيط الهادئ الاستوائي والتفاعلات الجوية فوقه.

وتؤثر هذه الدورة في أنماط الطقس العالمية بدرجات متفاوتة، بحيث تختلف طبيعة التأثير من منطقة إلى أخرى، ولهذا السبب لا توجد خريطة اقتصادية واحدة للنينيو؛ فالمنطقة التي تحصل على أمطار أعلى من المعتاد قد تستفيد زراعيا في موسم معين، بينما تواجه منطقة أخرى ظروفا أكثر جفافا تؤثر في المحاصيل أو الثروة الحيوانية أو إمدادات المياه.

وتوضح المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن كل حدث من أحداث النينيو يختلف عن الآخر، وأن التأثيرات الفعلية تعتمد على الظروف الإقليمية والموسمية.

ومن ثم، فإن قيمة الظاهرة بالنسبة للأسواق تكمن في زيادة احتمالات التغير في الإنتاج والإمدادات، بينما يتحدد الأثر النهائي وفقا للظروف المحلية والمخزونات والتجارة وبقية عوامل العرض والطلب.

الغذاء.. أول قناة تنتقل عبرها الموجة

تظل الزراعة أكثر القطاعات حساسية لتغيرات الحرارة والأمطار، ولذلك تمثل أسواق الغذاء إحدى أهم القنوات التي يمكن أن ينتقل عبرها أثر النينيو إلى الاقتصاد العالمي.

وتحذر منظمة الأغذية والزراعة «فاو» من أن النينيو قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات في مناطق مختلفة من العالم، بما يؤثر في مواعيد الزراعة والنمو والحصاد والمراعي وتوافر المياه.

وتحدد المنظمة مناطق في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي معرضة لمخاطر زراعية مرتبطة بتطور الظاهرة.

وتأتي هذه التطورات في سوق حبوب عالمية كبيرة الحجم، حيث توقعت «فاو» في أحدث تحديثاتها أن يصل إنتاج الحبوب العالمي في موسم 2026/2027 إلى نحو 2.982 مليار طن، بانخفاض يقارب 2% على أساس سنوي، مدفوعا بصورة رئيسية بتراجع توقعات إنتاج القمح.

أما إنتاج القمح العالمي في 2026/2027، فتقدره «فاو» حاليا بنحو 810.9 مليون طن، بانخفاض 3.8%، مع توقعات بتراجع المحاصيل في عدد من مناطق الإنتاج الرئيسية.

وتكشف هذه التوقعات عن حساسية سوق الغذاء للطقس، خاصة عندما تتزامن التغيرات المناخية مع تطورات الإنتاج والمخزونات والتجارة العالمية.

المحصول لا يعيش وحده.. الطاقة والأسمدة في قلب المعادلة

لا تعمل الزراعة بمعزل عن بقية الاقتصاد، فالمحصول يحتاج إلى المياه والأسمدة والطاقة، ثم ينتقل بعد ذلك عبر شبكة من التخزين والنقل والتصنيع والتوزيع، وكل مرحلة تحمل تكلفة يمكن أن تتأثر بظروف السوق.

وتظهر أهمية الطاقة بصورة خاصة في المناطق التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الكهرومائية، حيث يمكن أن يؤدي الجفاف إلى انخفاض إنتاج الكهرباء المائية، مما يرفع الحاجة إلى مصادر أخرى للطاقة.

وتشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن تأثيرات النينيو التاريخية امتدت إلى أسواق السلع غير الوقودية والطاقة، وأن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف في بعض المناطق يمكن أن يزيد الطلب على الفحم والنفط عندما يتراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية.

وتقدر دراسة للصندوق أن صدمة إيجابية بمقدار انحراف معياري واحد في دورة ENSO رفعت تضخم أسعار السلع الأولية الحقيقية بنحو 3.5 إلى 4 نقاط مئوية في البيانات التاريخية التي درستها.

وتعكس هذه النتيجة العلاقة التاريخية التي رصدتها الدراسة، بينما تظل حركة الأسعار المستقبلية مرتبطة بمجموعة أوسع من ظروف العرض والطلب.

وتدخل الأسمدة أيضا في هذه الدائرة؛ فالزراعة تعتمد عليها لرفع الإنتاجية، بينما ترتبط صناعتها بتكاليف الطاقة والغاز الطبيعي، ولذلك تصبح العلاقة بين المناخ والطاقة والغذاء أكثر ترابطا كلما ارتفعت حساسية الأسواق لتغيرات الإنتاج.

التجارة والمخزونات.. صمام امتصاص الصدمة

لا تنتقل الصدمات المناخية من الحقول إلى المستهلك بصورة آلية، فالتجارة الدولية والمخزونات تعملان كآليتين لإعادة توزيع العرض بين المناطق.

فإذا انخفض إنتاج محصول في دولة أو منطقة، تستطيع الأسواق في بعض الحالات تعويض جزء من النقص عبر زيادة الإمدادات من مناطق أخرى، وكلما كانت المخزونات أكثر وفرة وشبكات التجارة أكثر قدرة على الحركة، اتسعت مساحة امتصاص التغيرات في الإنتاج.

لكن هذه القدرة تعتمد أيضا على أسعار الشحن، وتوافر الموانئ، والسياسات التجارية، والقدرة الإنتاجية لدى المصدرين، وتكلفة الطاقة.

ولهذا تتابع «فاو» النينيو ضمن مجموعة أكبر من المتغيرات التي تؤثر في أسواق الغذاء في 2026، إلى جانب الطقس وأسعار الطاقة والأسمدة والتجارة، وتوضح أن تطورات هذه العوامل مجتمعة يمكن أن تغير توقعات الإنتاج والأسعار العالمية.

وتكشف هذه الحلقة أن القدرة على التخزين وتنويع مصادر التوريد أصبحت جزءا من المرونة الاقتصادية، لأنها تمنح الدول والشركات مساحة أكبر لإدارة تغيرات الإنتاج بين المواسم والأسواق.

الأسواق تسعر الاحتمالات قبل ظهور النتيجة

تبدأ الأسواق في كثير من الأحيان بالتفاعل مع التوقعات قبل ظهور الأرقام النهائية للمحاصيل، فالمزارعون يتخذون قراراتهم بناء على توقعات الطقس، والمستوردون يراجعون خطط الشراء، والشركات تعيد تقييم المخزونات، بينما تتحرك أسواق العقود الآجلة وفقا لتوقعات العرض والطلب المستقبلية.

وهنا تظهر القيمة الاقتصادية للمعلومات المناخية المبكرة؛ فكلما أمكن تحديد المناطق الأكثر تعرضا للجفاف أو الأمطار غير المعتادة في وقت مبكر، زادت قدرة المنتجين والتجار والحكومات على تعديل خططهم.

وتعمل «فاو» على استخدام خرائط مخاطر النينيو لتحديد المناطق الزراعية الأكثر تعرضا للجفاف، بينما تدعو المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى الاستفادة من التنبؤات المبكرة في قطاعات مثل الزراعة والطاقة والمياه.

وبذلك تتحول البيانات المناخية إلى أداة اقتصادية؛ فالمعلومة التي تصل مبكرا يمكن أن تغير قرار التخزين أو التوريد أو الزراعة قبل أن تظهر آثار الطقس على الإنتاج الفعلي.

اقتصاد الاستعداد.. القيمة في القرار المبكر

تدفع «النينيو» الاقتصاد العالمي إلى مساحة جديدة تتداخل فيها المعلومات المناخية مع القرار الاقتصادي.

فالتوقع المبكر يمكن أن يساعد المزارعين على اختيار التوقيت والمحاصيل، ويمكن الشركات من إعادة ترتيب مصادر التوريد ومستويات المخزون، بينما تستطيع الحكومات تطوير خططها للغذاء والطاقة والمياه قبل وصول التأثيرات إلى ذروتها.

وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن التنبؤات والإنذارات المبكرة تساعد القطاعات الحساسة للمناخ على اتخاذ إجراءات استباقية، فيما أطلقت «فاو» وبرنامج الأغذية العالمي تحركا استباقيا في 2026 لحماية ملايين الأشخاص في المناطق الأكثر تعرضا لمخاطر الظاهرة.

وهنا تظهر إحدى أهم الفرص الاقتصادية التي تخلقها النينيو: تحويل المعرفة بالمناخ إلى قدرة على اتخاذ القرار، فكل يوم إضافي تتوافر فيه المعلومات قبل تغير الإنتاج يمكن أن يمنح الأسواق وقتا لإدارة المخزون، وتنويع الإمدادات، وضبط العمليات اللوجستية، والاستعداد لتحولات الطلب على الطاقة.

ولا يتعلق «اقتصاد الاستعداد» بتجنب المخاطر فقط، وإنما بتحسين كفاءة استخدام الموارد وتوجيه رأس المال إلى المناطق والقطاعات الأكثر قدرة على التعامل مع التغيرات المناخية.

«النينيو».. متغير جديد في دفتر الاقتصاد العالمي

تكشف «النينيو» عن معادلة أصبحت أكثر حضورا في الاقتصاد العالمي: المناخ يؤثر في الإنتاج، والإنتاج يحرك التجارة، والتجارة تتفاعل مع المخزونات والطاقة، وهذه المتغيرات مجتمعة تؤثر في أسعار السلع وتكلفة الإنتاج.

ومع اتجاه الظاهرة الحالية إلى مزيد من القوة واستمرار التوقعات حتى أوائل 2027، تصبح مراقبة المحيط الهادئ جزءا من قراءة أسواق الغذاء والطاقة والسلع العالمية، إلى جانب متابعة الإنتاج والمخزونات والسياسات التجارية.

وتشير التجربة التاريخية التي درسها صندوق النقد الدولي إلى أن ENSO يمكن أن تترك أثرا اقتصاديا ملموسا في أسعار السلع، فيما توضح تحليلات «فاو» الحالية أن الطقس أصبح عاملا حاضرا بقوة في توقعات الإنتاج الزراعي.

في هذه المعادلة، تصبح الاستجابة المبكرة أصلا اقتصاديا؛ فالدول والشركات التي تحول التوقعات المناخية إلى قرارات أسرع في الإنتاج والتخزين والتجارة والطاقة تكتسب مساحة أكبر لإدارة التكلفة وحماية الإمدادات والاستفادة من تحولات الطلب.

وهكذا تعيد النينيو رسم خريطة الغذاء والطاقة والأسواق، ليس باعتبارها عاملا منفردا يحدد اتجاه الاقتصاد، وإنما باعتبارها متغيرا يمكن أن يعيد توزيع الإنتاج والتجارة والفرص بين مناطق العالم، ويجعل القدرة على الاستعداد وقراءة البيانات المناخية مبكرا جزءا من التنافسية الاقتصادية.

كلمات البحث

أحدث الأخبار