في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية وتحوّل أسواق العمل بوتيرة متسارعة، تبرز ريادة الأعمال كأحد أهم الحلول لتوليد فرص عمل جديدة وتحقيق التنمية المستدامة.
ورغم ما شهده الاقتصاد العالمي من أزمات متلاحقة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن المشهد المحلي في مصر يعكس حالة وعي غير مسبوقة بين الشباب تجاه تأسيس مشروعاتهم الخاصة، بحثًا عن الاستقلال والإبداع بعيدا عن نموذج "الوظيفة التقليدية".
الاقتصاد تحت الضغط... لكن بوعي متزايد
تقول الباحثة الاقتصادية ورائدة الأعمال سماح هيكل في تصريحات خاصة لـ«الأهرام بيزنس» إن الوضع الاقتصادي في مصر تأثر مثل باقي دول العالم بالأزمات المتلاحقة، لكن الجانب الإيجابي هو بروز حالة وعي متزايدة بفكرة ريادة الأعمال.
وتضيف أن الدولة المصرية تبذل جهودًا واضحة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر إطلاق برامج تحفيزية وتمويلية، وهو ما يعكس إدراكًا رسميًا بأن الابتكار وريادة الأعمال يمثلان قاطرة للنمو في فترات التحدي الاقتصادي.
تشير هيكل إلى أن أكبر التحديات أمام الشباب تكمن في صعوبة الحصول على التمويل، نتيجة تحفّظ البنوك في تمويل مشروعات جديدة غير مثبتة النجاح، إضافة إلى البيروقراطية المعقدة وكثرة المستندات المطلوبة عند التأسيس.
كما أن قلة الخبرة السوقية والفجوة بين الفكرة النظرية والتنفيذ العملي تمثلان عقبة رئيسية أمام تحويل الأفكار إلى مشاريع قائمة. وتؤكد أن حدة المنافسة في السوق المحلي تجعل الوصول إلى العملاء مهمة شاقة، خاصة في المراحل الأولى من المشروع حين تكون الميزانيات محدودة والإمكانيات قيد التكوين.
القطاع الخاص... من المنافس إلى الشريك
وترى الباحثة أن القطاع الخاص قادر على لعب دور أكبر بكثير في دعم منظومة ريادة الأعمال، ليس فقط كمنافس، بل كشريك فاعل في النمو من خلال:
- توفير بيئة تدريب وتوجيه مهني للشباب.
- ربطهم بشبكات علاقات مهنية محلية ودولية.
- إنشاء صناديق تمويل خاصة تستهدف المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
- دمج المشروعات الناشئة في سلاسل القيمة بدلًا من استحواذ الكيانات الكبرى عليها أو إقصائها.
وتشير إلى أن مثل هذه الخطوات تعزز المنافسة العادلة وتخلق تنوعًا في السوق، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويزيد من جاذبية الاستثمار المحلي.
التمويل البديل... حلول خارج الصندوق
توضح هيكل أن الحلول التمويلية موجودة، لكنها تحتاج إلى وعي مالي أوسع من قبل الشباب. ومن أبرز هذه الأدوات:
- التمويل الشخصي أو العائلي كبداية مرنة.
- مبادرات البنك المركزي التي تقدم فائدة متناقصة وضمانات ميسرة.
- مسابقات ريادة الأعمال التي تمنح دعما ماليا وفرص تدريب.
- التمويل الجماعي (Crowdfunding)، وهو أسلوب حديث بدأ ينتشر في مصر ويعتمد على جمع التمويل من الجمهور مقابل المنتج قبل إطلاقه فعليًا.
رائدات الأعمال... طاقة تنتظر التفعيل
وتلفت هيكل إلى أن البرامج الموجهة لدعم رائدات الأعمال في مصر ما زالت محدودة مقارنة بحجم الإبداع والطاقة لدى النساء المصريات.
وطالبت بإطلاق حملات توعية واسعة وبرامج تدريب عملي حقيقي بدلاً من الاكتفاء بالندوات النظرية، مؤكدة أن تمكين المرأة الريادية يمكن أن يضيف قيمة اقتصادية هائلة للناتج المحلي.
قطاعات المستقبل... حيث تتقاطع التكنولوجيا مع التنمية
حددت الباحثة مجموعة من القطاعات الواعدة التي تمثل فرصًا استثمارية كبرى لرواد الأعمال في المرحلة المقبلة، أبرزها:
- التكنولوجيا المالية (FinTech): كل ما يتعلق بالدفع الإلكتروني والخدمات الرقمية.
- الاقتصاد الأخضر: مشروعات إعادة التدوير والطاقة المتجددة.
- التعليم الإلكتروني: منصات تدريب وتطوير مهارات رقمية عالية الجودة.
- الصحة الرقمية: التطبيقات الطبية والصيدليات الإلكترونية وحجز الأطباء عبر الإنترنت.
- السياحة البيئية والمغامرات: استثمار الطبيعة المصرية بأساليب عصرية ومستدامة.
قصص نجاح تلهم الجيل الجديد
اختتمت هيكل حديثها بالتأكيد على أن السوق المصري رغم صعوبته مليء بالفرص، مشيرة إلى أن المفتاح الحقيقي للنجاح يكمن في الدراسة الجيدة والإصرار واستغلال فرص الدعم المتاحة.
واستشهدت بنماذج ملهمة مثل أحمد الخطيب (شركة كريم) الذي استطاع أن يحوّل فكرة بسيطة إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في مجال التكنولوجيا والنقل الذكي، مؤكدة أن مصر غنية بعشرات التجارب المشابهة التي تلهم الشباب للسير على نفس الطريق.