رحاب سيد أحمد
التبادل التجاري بين مصر وإسبانيا يلامس 4 مليارات يورو خلال السنوات الخمس الماضية
500 شركة مصرية وإسبانية تبحث فرص الاستثمار وإعادة تفعيل مجلس الأعمال خلال زيارة ملك إسبانيا للقاهرة
أجرى الاهرام بيزنس حوار خاص مع إنريكي فيرديجير بويج، المستشار الاقتصادي والتجاري لسفارة إسبانيا بالقاهرة، الذي أكد أن العلاقات بين مصر وإسبانيا تشهد نقلة نوعية تعكس عمق الشراكة بين البلدين. ان زيارة العاهل الإسباني الأخيرة إلى القاهرة أسهمت في فتح آفاق جديدة للتعاون، حيث شهدت انعقاد منتدى الأعمال المصري–الإسباني بمشاركة نحو 500 شركة وإعادة تفعيل مجلس الأعمال المشترك. كما أشار إلى أن صندوق دعم تدويل الشركات الإسبانية موّل مشروعات في مصر بقيمة 900 مليون يورو خلال خمس سنوات، لتصبح مصر الوجهة الأولى للصندوق عالميًا، لافتًا إلى أن أولويات التعاون تتركز في قطاعات الطاقة والاتصالات والنقل والمياه والزراعة والسياحة، مع دور محوري للقطاع الخاص في دفع هذه الشراكة نحو المستقبل.
ما هو حجم التبادل التجاري الحالي بين مصر وإسبانيا؟
بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وإسبانيا ما بين 3 إلى 4 مليارات يورو خلال السنوات الخمس الماضية. ففي عام 2024، بلغت الصادرات الإسبانية 1.46 مليار يورو، في حين وصلت الواردات من مصر إلى 1.68 مليار يورو، وبالنظر إلى عام 2025، من المتوقع أن ترتفع الصادرات الإسبانية بشكل طفيف، بينما من المرجح أن تظل الواردات من مصر مستقرة إلى حد كبير. ومع ذلك، نعتقد أن هذه الأرقام لا تعكس الإمكانات الحقيقية. ونظرًا للقرب الجغرافي بين مصر وإسبانيا، هناك العديد من الفرص غير المستغلة في كلا السوقين، ومن الضروري أن يعمل الجانبان معًا لاغتنامها.
ما هي الصادرات الإسبانية الرئيسية إلى مصر، وما هي المنتجات التي تستوردها إسبانيا من مصر؟
تتسم الصادرات الإسبانية إلى مصر بالتنوع الكبير. وتشمل الفئات الرئيسية الآلات الثقيلة والمعدات الميكانيكية، تليها المركبات والجرارات، والوقود المعدني والزيوت، والأسمدة، ومنتجات النحاس، وغيرها. وعلى النقيض من ذلك، تتركز واردات إسبانيا من مصر في نطاق أضيق من السلع. وتأتي منتجات الحديد والصلب في مقدمة هذه الواردات، تليها الوقود المعدني والزيوت. ومن المثير للاهتمام أن إسبانيا تستورد أيضًا حجمًا كبيرًا من الملابس من مصر، بالإضافة إلى ذلك، هناك تدفق كبير من الأسمدة وتشكيلة واسعة من الفواكه والخضروات، حيث أصبحت مصر واحدة من أبرز مصدري الموالح عالميًا، وخاصة البرتقال، فضلًا عن الزيتون والطماطم ومنتجات زراعية أخرى
في أعقاب الزيارة الأخيرة لجلالة ملك إسبانيا إلى مصر، ما هي الخطوات الملموسة التي يتم اتخاذها لترجمة نتائج الزيارة إلى تعاون اقتصادي وتجاري أقوى؟
لقد شكلت الزيارة فرصة ممتازة لعرض السوق المصرية أمام الشركات الإسبانية. وحظيت بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الإسبانية، أبرزت جميع جوانب زيارات العائلة الملكية الإسبانية في القاهرة والأقصر. ويتم اتخاذ خطوات مهمة لتعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية، ولا سيما في إطار العلاقات الثنائية التي تم الارتقاء بها إلى مستوى استراتيجي. فقد جمع المنتدى الاقتصادي المصري–الإسباني، الذي عُقد خلال زيارة جلالة الملك، ممثلين حكوميين وقادة أعمال من نحو 500 شركة إسبانية ومصرية لاستكشاف فرص جديدة ومعالجة التحديات القائمة في مجالي التجارة والاستثمار. وكان من أبرز النتائج إعادة تفعيل مجلس الأعمال المصري–الإسباني، الذي سيعمل كمنصة للحوار والتعاون المستمر بين القطاعين الخاصين في البلدين. وتشجع إسبانيا شركاتها على التوافق مع رؤية مصر 2030، مع التركيز على قطاعات مثل الطاقة، والاتصالات، والنقل، وبنية المياه التحتية، والزراعة، والسياحة. كما تتعاون الحكومتان بشكل وثيق في استكشاف فرص جديدة للتعاون في مشروعات الهيدروجين الأخضر، تماشيًا مع الجهود الأوروبية الأوسع لخفض الانبعاثات الكربونية. كذلك، جددت الزيارة الالتزامات بتعزيز التجارة الثنائية والاستمرار في تمويل مشروعات بنية تحتية كبرى جديدة في مصر من خلال "صندوق إسبانيا لدعم تدويل الشركات"، الذي يوفر شروط تمويل ممتازة للحكومة المصرية، وقد موّل خلال السنوات الخمس الماضية مشروعات بقيمة 900 مليون يورو، لتكون مصر الوجهة الأولى لهذا الصندوق على مستوى العالم.
ما حجم الاستثمارات الإسبانية في مصر، وفي أي قطاعات تتركز؟
تبلغ الاستثمارات الإسبانية القائمة في مصر حاليًا نحو 530 مليون يورو. يتركز معظم المستثمرين الإسبان في قطاعات مثل الأسمنت والبناء، والمنسوجات، والأدوية، والكيماويات، وكذلك في بعض المجالات الصناعية. ومع ذلك، هناك العديد من الشركات التي تبدي اهتمامًا باستكشاف فرص جديدة في مصر، خاصة في المجال الصناعي، بالنظر إلى توافر العمالة الماهرة وأسعار المواد الخام التنافسية. كما يزداد الاهتمام بقطاعات السلع الاستهلاكية سريعة التداول، والفنادق والمطاعم والمقاهي، وقطاع السيارات، بالإضافة إلى الخدمات المالية والمصرفية، التي تقدم فرصًا قوية بفضل التحسينات الكبيرة الأخيرة في البنية التحتية لقطاع الاتصالات في مصر.
كيف يمكن للطرفين تشجيع القطاع الخاص على زيادة الاستثمار؟
بدايةً اود ان اشير الى مفهوم هام الا و هو الصادرات والاستثمار وجهان لعملة واحدة. فغالبًا ما تبدأ الشركات الإسبانية نشاطها في أي سوق من خلال التصدير لاختبار الأوضاع، وبناء العلاقات، وكسب الثقة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه التجربة الأولية إلى استثمارات طويلة الأجل. هذا النمط يتكرر في أسواق كثيرة، حيث إن بناء المصداقية مع العملاء والحكومة يفتح الطريق لمزيد من الانخراط وضخ رؤوس الأموال وتحقيق حضور دائم. لذلك فإن تحسين سهولة النفاذ التجاري ليس أمرًا ثانويًا، بل يمثل شرطًا أساسيًا لتمكين الشركات الأجنبية من توسيع وجودها. ونحن نرحب بالخطوات الإيجابية التي اتخذتها مصر مؤخرًا، خاصة تقليص تأخيرات الجمارك وتطبيق نظام التسجيل المسبق للشحنات منذ عام 2021، ونتطلع إلى استمرار هذا التطوير.
أما فيما يتعلق بتشجيع استثمارات القطاع الخاص، فهناك أولويتان أساسيتان: الأولى تعزيز حماية الاستثمار من خلال ضمانات قانونية واضحة، ونظام فعال لتسوية النزاعات، وتسهيل تحويل الأرباح إلى الخارج. أما الثانية فهي تقديم حوافز أكبر في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والسياحة، مع تجنب فرض اشتراطات صارمة قد تحد من مشاركة المستثمرين..
هل توجد شركات إسبانية تعمل بالفعل في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس؟
حاليًا، لا توجد شركات إسبانية تعمل في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ومع ذلك، نشجع الشركات الإسبانية على استكشاف الفرص التي توفرها، خاصة بالنظر إلى خبراتها في مجالات الخدمات اللوجستية، وبنية النقل التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا الصناعية. تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أولوية استراتيجية لمصر، حيث تقع عند مفترق طرق التجارة العالمية وتعد بوابة حيوية تربط بين أوروبا وأفريقيا وآسيا. نحن نحافظ على علاقات قوية مع قيادة المنطقة، وندرك تمامًا الجهود الأخيرة المبذولة لتعزيز جاذبيتها من خلال حوافز تنافسية مثل المزايا الضريبية، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وإتاحة الوصول إلى الموانئ والمناطق الصناعية المتكاملة. بالنسبة للشركات الإسبانية التي تبحث عن قاعدة إقليمية للتصنيع أو التوزيع، توفر المنطقة منصة استراتيجية مع وصول مباشر إلى أسواق وسلاسل إمداد رئيسية. هذا الإمكان يتماشى بشكل وثيق مع نقاط القوة الصناعية في إسبانيا وأولوياتها في الاستثمارات الخارجية، مما يجعل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مجالًا طبيعيًا للتعاون المستقبلي.
ما هي القطاعات الجديدة التي يبدي الجانب الإسباني اهتمامًا بها للتعاون المستقبلي؟
تركز إسبانيا بشكل خاص على توسيع التعاون في القطاعات التي تتماشى مع الأولويات الاستراتيجية لمصر والاتجاهات العالمية. وتظل الطاقة المتجددة محورًا رئيسيًا، وخاصة طاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، حيث تهدف مصر إلى أن تصبح من كبار المصدرين في هذا المجال. كما توفر معالجة المياه وحلول التنقل الذكي فرصًا كبيرة، إلى جانب التصنيع الصناعي في مجالات مثل السلع الاستهلاكية سريعة الحركة ومكونات السيارات، كما ذكرت سابقًا. هذا العام نشارك بنشاط في "أسبوع الابتكار في مصر" في القاهرة والإسكندرية، لعرض إسبانيا كشريك قوي جدًا للشركات الناشئة المصرية وشركات التكنولوجيا المالية الناشئة في مجالات التحول الرقمي وريادة الأعمال.
هل يواجه المستثمرون الإسبان في مصر أي عقبات حاليًا؟
ينشط المستثمرون الإسبان في مصر منذ أكثر من عقدين، ونحن فخورون بوجود أكثر من 60 شركة تعمل وتتمتع بمكانة راسخة في البلاد. وهذا يبرهن على أن مصر تمثل سوقًا جاذبًا وواعدًا للداخلين الجدد. ومع ذلك، لا تزال بعض التحديات قائمة. فعدم القدرة على التنبؤ التنظيمي يظل مصدر قلق، خاصة في مجالات مثل تراخيص التصنيع، والإجراءات الجمركية، ولوائح الاستيراد. كما أن الرسوم الجمركية المرتفعة على بعض المنتجات، مثل السيارات والسلع الاستهلاكية، رغم وجود اتفاقية التفضيل الثنائي، تشكل عقبات إضافية، إلى جانب متطلبات المكوّن المحلي التي تثبط التعاون الصناعي الأعمق. ويزيد من التعقيد أيضًا تقلب العملة والقيود على النقد الأجنبي، مما يؤثر على التخطيط المالي وتحويل الأرباح للشركات. وهناك أيضًا حواجز خاصة ببعض القطاعات ما تزال تثني شركات إسبانية جديدة عن دخول السوق، مثل إجراءات التصديق البيطري المصري على واردات اللحوم من إسبانيا. ولهذا قد تحد هذه العوامل من نطاق الالتزامات طويلة الأمد. ومع ذلك، نحن واثقون من أن هذه التحديات يمكن معالجتها تدريجيًا من خلال استمرار الحوار والتعاون بين حكومتي البلدين ومجتمعات الأعمال على الجانبين. ونحن نقدر بشدة الجهود التي تبذلها السلطات المصرية بالفعل لتحسين مناخ الاستثمار، ونعوّل على أن هذا النهج البنّاء سيمهّد الطريق لعلاقات اقتصادية أقوى وأكثر استدامة.
كيف ترون دور مصر كبوابة أمام الشركات الإسبانية نحو أفريقيا والعالم العربي؟
إن الموقع الاستراتيجي لمصر عند مفترق طرق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا يجعلها بوابة طبيعية للشركات الإسبانية الساعية للتوسع في هذه المناطق. وتعزز اتفاقياتها التجارية الواسعة، إلى جانب الاستثمارات الجارية في البنية التحتية والخدمات اللوجستية، من دورها كمركز إقليمي. بالنسبة للشركات الإسبانية، توفر مصر ليس فقط الوصول إلى سوق محلية كبيرة، بل أيضًا منصة للوصول إلى اقتصادات مجاورة في شمال أفريقيا ومنطقة الخليج. وسيعتمد تعزيز هذا الدور على استمرار تحسين تسهيل التجارة والشفافية التنظيمية، وهما عنصران أساسيان لجذب المستثمرين الدوليين والحفاظ عليهم.
كلمات البحث