في لحظة مفصلية تتقاطع فيها التكنولوجيا المالية مع إعادة هندسة الاقتصاد العالمي، جاء افتتاح الدورة الثانية عشرة من معرض ومؤتمر المدفوعات الرقمية والشمول المالي والبنوك الرقمية PAFIX ليفتح الباب أمام قراءة أعمق لما يحدث في مصر: ليس مجرد تحديث في البنية التحتية المالية، بل تحوّل استراتيجي يعيد تشكيل علاقة المواطن بالمال والمستقبل.
وخلال الكلمة التي ألقيت نيابة عن محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، برز خط واضح يمكن تتبعه: مصر لم تعد تلاحق موجة التحول الرقمي؛ بل أصبحت جزءًا من صُناعها.
التحول الرقمي.. من “تقنية مساندة” إلى “محرك للنمو”
لم يعد التحول الرقمي خيارًا تحسينياً داخل المنظومة المالية، بل أصبح—وفق رؤية المركزي—“محددًا لمستقبل النمو”. واللافت في التجربة المصرية أن مسار التطوير لم يبدأ من القمة فقط، بل من احتياجات المجتمع نفسه:
- 18 مليون مستخدم للخدمات المصرفية عبر الإنترنت والهاتف المحمول
- 114 مليون معاملة بقيمة 11.7 تريليون جنيه خلال 2024
- توسّع قياسي في بطاقات ميزة بـ 43.5 مليون بطاقة
هذه الأرقام لا تعكس نشاطًا تقنيًا فقط، بل تحولًا سلوكيًا للمجتمع نحو اعتماد أدوات مالية أكثر شفافية وسرعة.
ثورة المدفوعات اللحظية… المواطن في قلب التغيير
ربما يمكن وصف تطبيق إنستاباي بأنه “النقطة التي غيّرت قواعد اللعبة”.
فخلال فترة وجيزة وصل عدد مستخدميه إلى 16 مليونًا، ونُفذت عبره 1.1 مليار معاملة بقيمة 2.4 تريليون جنيه
في بلد يعاني تقليديًا من هيمنة التعاملات النقدية، يشكل هذا التحول بمفرده علامة فارقة على نجاح الرهان الرقمي.
وتتوسع المنظومة اليوم عبر:
- محافظ الهاتف المحمول (ميزة ديجيتال) 55.5 مليون محفظة
- المنصة الوطنية لترميز البطاقات: التي فتحت الباب أمام Apple Pay وAndroid Pay
- Apple Payوحدها نفذت 40 مليون معاملة بقيمة 32 مليار جنيه
هذه الخطوات تؤسس لاقتصاد يقل اعتماده على الكاش، ويقترب بثبات من عصر الهوية المالية الرقمية عبر مشروع eKYC، الذي سيكون—عند اكتماله—نقطة تحول في تقديم الخدمات المصرفية عن بُعد.
صانعو المشهد الجديد
تكشف الكلمة عن إدراك مبكر من البنك المركزي لطبيعة “الزلزال التقني” الذي سيغيّر طريقة عمل البنوك. ومن هنا جاءت استراتيجية التكنولوجيا المالية منذ 2019، التي لم تكتفِ بدعم الابتكار، بل صاغت منظومة متوازنة بين:
- تحرير بيئة العمل
- وضمان الاستقرار المالي
- وحماية العملاء
إحدى أكثر الخطوات تقدمًا تمثلت في التعاون مع I-Score لتطوير التقييم الائتماني السلوكي باستخدام بيانات بديلة وخوارزميات تعلم آلي.
هذه الخطوة ستدخل شريحة ضخمة من المصريين—التي ظلت خارج النظام المصرفي—إلى دائرة التمويل.
وفي موازاة ذلك، يجري تطوير منصات SupTech للرقابة الذكية، ما يجعل عملية الإشراف المصرفي لحظية ودقيقة.
رأس المال البشري… معركة المستقبل
يدرك البنك المركزي أن التكنولوجيا مهما بلغت قوتها لا تكتمل دون الإنسان، وهنا برزت مبادرات لافتة:
- FinYology: تدريب 19 ألف طالب وتنفيذ 900 مشروع
- Digital Academy: أول منصة متخصصة لبناء قدرات العاملين بالبنوك
- برنامج العلوم المصرفية الجديد: خطوة غير مسبوقة لدمج الجانب الأكاديمي بالتدريب العملي
كما دعم البنك منظومة ريادة الأعمال عبر:
- صندوق Nclude
- المختبر التنظيمي للتكنولوجيا المالية
- مبادرة رواد النيل
وهي أدوات تصنع “جيلًا ماليًا جديدًا” قادرًا على قيادة اقتصاد رقمي لا يشبه الماضي.
الشمول المالي من شعار إلى إنجاز تاريخي
النتائج تبدو أكثر وضوحًا بالأرقام:
- ارتفاع الشمول المالي إلى 76.3% في يونيو 2025 مقابل 27.4% فقط في 2016
- نمو تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بنسبة 395%
هذه القفزة ليست مجرد توسع مالي، بل تحول اجتماعي واقتصادي يرفع من قدرة الطبقة المتوسطة على الإنتاج والمنافسة.