مع بداية كل موسم زراعي، يتكرر المشهد نفسه كما لو كان جزءًا ثابتًا من دورة المحاصيل: مزارعون يقفون في طوابير طويلة أمام الجمعيات الزراعية، عيونهم تترقب “شيكارة” السماد التي أصبحت أصغر من احتياجات الأرض وأكبر من قدرة جيوبهم. أزمة صرف الأسمدة الزراعية لم تعد مفاجأة، بل أصبحت جزءًا من معاناة موسمية تتجدد مع كل موسم صيفي أو شتوي، حتى صار المزارع المصري عالقًا بين مطرقة نقص الأسمدة المدعمة وسندان نار الأسعار في السوق السوداء.
قرار وزارة الزراعة بخفض حصة الفدان للنصف أشعل الأزمة بصورة أكبر؛ فالمزارع الذي كان يحصل على كمية بالكاد تكفي، وجد نفسه مضطرًا للبحث عن الكمية المتبقية في السوق السوداء، حيث تتضاعف الأسعار بلا رقيب، وكأن الأرض نفسها تُعاقَب على رغبتها في النمو.
ولم تتوقف الصدمات هنا؛ فقد رفعت وزارة الزراعة أسعار الأسمدة الأزوتية — اليوريا ونترات النشادر — بمقدار 100 جنيه للطن، متذرعة بارتفاع أسعار المحروقات ونولون الشحن. ليجد القطاع الزراعي نفسه تحت تأثير موجة جديدة من الزيادات تزيد من العبء دون أن تضمن الحل.
ووفقًا لمنشور رسمي، أصبح سعر شيكارة نترات النشادر وزن 50 كجم 234 جنيهًا، بينما وصلت شيكارة اليوريا إلى 269 جنيهًا. أرقام قد تبدو صغيرة على الورق، لكنها ثقيلة على كاهل مزارع يقاتل ليحافظ على محصوله وربحيته في آن واحد.
ورغم أن وزارة الزراعة تحصل شهريًا على 220 ألف طن من الأسمدة المدعمة عبر سبعة مصانع محلية، ورغم أن مصر تنتج سنويًا نحو 17.9 مليون طن من الأسمدة — وهو رقم ضخم يضعها بين كبار المنتجين إقليميًا — فإن الأزمة لا تزال تتكرّر بشكل يثير التساؤلات.
من المستفيد؟
الإجابة تظهر عند النظر إلى أرباح شركات الأسمدة المقيدة في البورصة والتي تضاعفت خلال السنوات الأخيرة بشكل لافت. هذه الشركات تصدّر ما بين 40% إلى 60% من إنتاجها، لتحقق إيرادات قياسية، فيما يظل السوق المحلي يعاني نقصًا مزمنًا في الأسمدة.
هكذا تُصدّر الشركات الفائض، لكن تصدر أحيانًا ما يحتاجه السوق فعليًا، تاركة فراغًا تتسلل من خلاله مافيا السوق السوداء.
ورغم امتلاك مصر لواحد من أكبر خطوط الإنتاج في المنطقة، فإن الفجوة بين العرض والطلب تتسع بسبب سوء التوزيع، وغياب الرقابة الفعالة، وتسرب كميات ضخمة إلى السوق السوداء. والنتيجة أن حصول المزارع على احتياجات أرضه أصبح مهمة شاقة تتطلب أسابيع من الانتظار للحصول على نصف حصته الرسمية فقط.
تهديد للمحاصيل… وللأمن الغذائي
تأخر صرف الأسمدة لا يهدد فقط موسمًا زراعيًا، بل يهدد المحاصيل الاستراتيجية بأكملها، ويُضعف قدرة مصر على استغلال إمكاناتها الإنتاجية الهائلة والتي يمكن أن تجعلها قوة إقليمية كبرى في صناعة وتصدير الأسمدة.
إن الأزمة ليست مجرد نقص في الكميات، بل خلل عميق في سلسلة التوزيع والرقابة والدعم — خلل سمح للسوق السوداء بالتمدد، وللمزارع بالوقوع فريسة بين الحاجة والارتفاع الجنوني للأسعار.
الحلول الممكنة قبل فوات الأوان
لتجاوز الأزمة، لا بد من مجموعة مسارات متوازية، أبرزها:
- تشديد الرقابة الميدانية على الجمعيات وتجار الجملة لمنع تسرب الأسمدة.
- تطبيق عقوبات رادعة على المتورطين في المضاربة.
- تحديث آليات الدعم لضمان وصوله لصغار المزارعين فقط.
- زيادة الطاقة الإنتاجية عبر إنشاء مصانع جديدة داخل المحافظات.
- توازن واضح في سياسات التصدير بحيث يتم تصدير الفائض فقط بعد تغطية احتياجات السوق المحلي.
- مراجعة آليات التسعير لتحقيق توازن بين تكلفة الإنتاج وقدرة المزارعين على الشراء.
إذا تمت السيطرة على الفوضى، يمكن لمصر أن تتحول إلى لاعب إقليمي قوي في سوق الأسمدة، خاصة أن تصدير الفائض يدر مليارات من العملة الصعبة، لكن هذا لن يتحقق إلا بحماية صغار المزارعين وضمان استمرارهم في الإنتاج، لأن الأمن الغذائي يبدأ من حقل صغير ومن مزارع ينتظر شيكارة سماد.