شهد قطاع التمويل العقاري خلال عام 2025 طفرة غير مسبوقة، حيث وصلت التمويلات حتى شهر أغسطس إلى نحو 25 مليار جنيه، وهو نفس ما تحقق خلال عام 2024 كاملًا، ثم ارتفعت إلى 27 مليارًا بنهاية سبتمبر. وتشير التوقعات إلى أن السوق قد ينهي العام عند مستوى 40 مليار جنيه لأول مرة في تاريخه. هذا النمو يأتي بعد تقلبات شهدتها السنوات السابقة، إذ بلغ حجم التمويل نحو 13 مليار جنيه في 2022، قبل أن يتراجع إلى 10 مليارات في 2023 نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، ثم يقفز مرة أخرى إلى 25 مليارًا في 2024.
أسباب الانتعاش خلال 2025
يعود هذا النشاط إلى مجموعة من العوامل التي حرّكت السوق بقوة، أهمها الارتفاع الكبير في أسعار العقارات، ما دفع شرائح واسعة من المشترين إلى الاتجاه للتمويل العقاري لتعويض انخفاض القدرة الشرائية. كما ساهمت توقعات خفض الفائدة، التي تراجعت بنحو 6.5% خلال العام، في زيادة الإقبال على التمويل، مع توقعات بمزيد من الانخفاض خلال 2026. وإلى جانب ذلك، عاد المستثمر الفردي إلى الظهور بقوة، سواء من خلال التمويل العقاري التقليدي أو عبر آليات الملكية التشاركية. كما تميّز عام 2025 باستقرار نسبي في أسعار الخامات وسعر الصرف مقارنة بالعام الماضي، ما قلل الضغوط على أسعار العقارات.
صعود سريع لآلية الملكية التشاركية
وأشار المهندس أيمن عبد الحميد، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة الأولى للتمويل العقاري، إلى أن "الملكية التشاركية" ظهرت كأحد أهم البدائل في 2025، وأصبحت جذابة لمن لا يستطيع شراء وحدة كاملة بسبب ارتفاع الأسعار. لافتا إلى أن هذه الآلية تختلف عن الصناديق العقارية لأنها توفر للمستثمر فرصة امتلاك حصة مباشرة في عقار محدد وواضح، وهو ما يجعلها أقرب إلى ملكية فعلية وليست مجرد استثمار مالي.
الفائدة بين الواقع والمأمول
وأوضح عبد الحميد أنه رغم تراجع أسعار الفائدة من مستويات قاربت 32% إلى نحو 26% حاليًا، فإنها ما تزال مرتفعة مقارنة بما تحتاجه السوق لكي تنتعش بقوة. ويُرجح أن الفائدة المناسبة لنشاط عقاري مستدام يجب أن تكون من خانة الآحاد، أي أقل من 10%. ومع ذلك، يُتوقع أن تواصل الفائدة الانخفاض خلال العام المقبل، ما قد يعزز الطلب مجددًا.
تحديات المبادرات ودعم الدولة
بلغت تمويلات مبادرات الإسكان المدعوم أكثر من 100 مليار جنيه، وكانت الدولة تتحمل فارق فائدة يصل إلى 26%، أي ما يعادل 26 مليار جنيه دعم سنوي. هذا العبء الضخم دفع إلى تعديل المبادرات من (3% و8%) إلى مستويات أعلى تراعي إمكانات الدولة. ويؤكد عبد الحميد أن دعم محدودي الدخل مسؤولية حكومية بالأساس، لأن المطورين لا يمكنهم تحمل أعباء بناء وحدات منخفضة التكلفة.
ركود ملحوظ رغم صعود الأسعار
على الرغم من ارتفاع قيم التمويل، أوضح أن السوق شهد حالة ركود حقيقية في 2025 انعكست في انخفاض مبيعات المطورين مقارنة بالعام الماضي. فبينما سجل كبار المطورين نحو 2 تريليون جنيه مبيعات في 2024، انخفضت أرقام 2025 بشكل كبير، إذ حققت إحدى أكبر الشركات 300 مليار جنيه فقط حتى سبتمبر. ويشير هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية رغم ارتفاع الأسعار، مع التأكيد أن العقار إذا لم يزد بما يعادل التضخم فهو يخسر من قيمته الحقيقية.
نظرة على أسعار 2026
وتوقع عبد الحميد أن أسعار العقارات في 2026 لن تشهد ارتفاعات كبيرة، وقد تكون الزيادات محدودة للغاية. ومع ذلك، يرى أن الأسعار لن تنخفض فعليًا، لأن العقار في مصر نادرًا ما يتراجع، لكن قد يفقد جزءًا من قيمته الحقيقية إذا لم يواكب معدلات التضخم.
تحديات ما زالت قائمة
على الرغم من أن القطاع تجاوز أغلب التحديات المتعلقة بسعر الصرف والفائدة والخامات، إلا أن مشكلتين أساسيتين ما تزالان تعوقان النمو، أولهما عدم السماح بتمويل الوحدات تحت الإنشاء، والثانية التغيرات المتكررة في الرسوم والتشريعات، مثل رسوم الساحل الشمالي.
عودة قوية للأفراد إلى السوق
شهد 2025 تحولًا لافتًا في نوعية التمويلات، حيث ارتفعت نسبة التمويل الموجه للأفراد إلى نحو 40% مقارنة بـ15% فقط في 2024، بينما تراجع الاعتماد على شراء محافظ المطورين إلى نحو 60% بدلًا من 85% العام الماضي، ما يعكس عودة الثقة تدريجيًا لدى المشترين الأفراد.
مستقبل القطاع في 2026
وأكد المهندس عبد الحميد أن القطاع يتجه نحو مرحلة أكثر استقرارًا خلال 2026، مع توقعات بمزيد من انخفاض الفائدة وزيادة الإقبال على التمويل العقاري، إلى جانب توسع آليات الملكية التشاركية وانتشار عدد أكبر من الشركات. وسيكون السماح بتمويل الوحدات تحت الإنشاء من أهم العوامل القادرة على تحويل القطاع إلى مرحلة نمو أقوى وأكثر تنوعًا.