منذ بداية الزمان ومعرفة الإنسان للمال واستخدامه في حياته اليومية، أصبحت الأموال جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه، لأنها الوسيلة الأساسية للحصول على ما نريده. وكانت بداية حفظ الأموال في بابل، حيث كان الكهنة يحتفظون بها داخل المعابد مقابل رسوم معينة، وتُكتب هذه المعاملات على ألواح من الطين بعد تجفيفها لتوثيق الأمانة، مثل كتابة أن "فلانًا له مبلغ من المال".
د. خالد فواز
ومن جانبه قال د. خالد فواز، الخبير المصرفي، مع مرور الوقت وتطور المجتمعات، خرجت البنوك من رحم المعابد في بابل (العراق حاليًا)، وأصبحت مؤسسات مالية متخصصة في حفظ الأموال والودائع، وإقراض الأفراد لاستثمارها وتحقيق الأرباح. ومن هنا بدأت فكرة البنوك الحديثة وانتشرت في جميع أنحاء العالم كوسيلة للتقدم الاقتصادي وتنظيم التعاملات المالية داخليًا وخارجيًا.
ومع التطور الهائل الذي يشهده العالم اليوم، ظهرت عملات جديدة إلى جانب النقود التقليدية، وهي العملات الرقمية وخاصة تلك المعتمدة على تقنية Blockchain. وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل ستنتهي العملات التقليدية لتحل العملات الرقمية محلها؟ وهل سيؤدي ذلك إلى إغلاق البنوك التقليدية؟
للإجابة على ذلك، يجب أولًا فهم أنواع العملات الرقمية. هناك ثلاث فئات رئيسية منها:
العملات المستقرة (Stablecoins).
العملات المدعومة بالبيتكوين أو الأصول الرقمية الأخرى.
العملات الخوارزمية المستقرة (Algorithmic Stablecoins)، التي تعتمد على العرض والطلب للحفاظ على قيمتها.
ومن أبرز العملات المستقرة عملة DAI، وأخرى مثل USDT وUSDC، التي أصبحت اليوم محور اهتمام عالمي.
تعريف العملات المستقرة
العملات المستقرة هي عملات رقمية مرتبطة بقيمة ثابتة، سواء بالدولار الأمريكي أو الذهب أو السندات المالية المودعة في البنوك كضمان.
وتختلف عن البيتكوين والعملات الأخرى التي تتسم بالتقلب الشديد وعدم وجود جهة ضامنة لها، مما يجعلها أكثر خطورة في التداول.
أما العملات المستقرة فقد اكتسبت مشروعية وقانونية بعد أن أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية - في عهد الرئيس ترامب - قانونًا يسمح بالتعامل بها رسميًا، لتصبح وسيلة مالية آمنة تحفظ القيمة وتُستخدم في التحويلات والشراء، تمامًا مثل الأموال التقليدية.
كما أن العديد من الشركات العالمية الكبرى مثل PayPal وSquare وStripe بدأت في قبول التعامل بهذه العملات، نظرًا لأمانها وانخفاض تكلفتها وسرعة تحويلها.
المزايا الاقتصادية
تتميز العملات المستقرة بأنها:
تقلل من تكاليف التحويلات البنكية.
توفر الوقت والجهد في المعاملات المالية بفضل العقود الذكية (Smart Contracts).
يمكن التحويل الدولي خلال ثوانٍ معدودة عبر الهاتف أو الحاسوب، برسوم بسيطة جدًا.
تمنح بعض المنصات مثل Coinbase عائدًا سنويًا يصل إلى 4%، وهو أعلى بكثير مما تقدمه البنوك التقليدية.
التحديات والمخاطر
لكن مع هذه المزايا، هناك أيضًا مخاطر اقتصادية وتشريعية. فقد حذر الفيدرالي الأمريكي من أن حجم الأموال الموجودة في البنوك (والذي يبلغ نحو 18.5 تريليون دولار) قد يتأثر إذا تحولت نسبة كبيرة من الودائع إلى العملات المستقرة، مما قد يؤدي إلى فقدان نحو 36% من الودائع البنكية، وهو ما يعني خطرًا كبيرًا على النظام المالي.
كما أن التحويلات البنكية التقليدية تستهلك جزءًا من المال في رسوم متعددة (قد تصل إلى 6%)، بينما التحويل عبر العملات المستقرة لا يفقد أي جزء من القيمة. ولهذا ارتفعت القيمة السوقية لهذه العملات من 4 مليارات دولار عام 2020 إلى أكثر من 300 مليار دولار عام 2025.
لكن رغم ذلك، فإن عدم وجود رقابة كافية قد يفتح الباب أمام غسيل الأموال (AML)، أو التحويلات غير المشروعة، خاصة أن بعض التعاملات تتم بين الأفراد دون تتبع فوري. كما أن ربط العملات المستقرة بالدولار يجعلها عرضة لخسائر مفاجئة إذا انهار سعر الدولار أو حدثت اضطرابات اقتصادية.
الحلول المقترحة
لذلك من الضروري أن تُدار هذه العملات تحت إشراف البنك المركزي، وأن تُربط التعاملات بـ BSA (Bank Secrecy Act) وبإجراءات KYC (Know Your Customer) للتحقق من هوية المستخدمين ومصدر الأموال.
كما يجب أن تكون هناك معايير رقابية مثل:
تحديد سقف التحويلات (IMF Policy).
الإبلاغ التلقائي عن العمليات المشبوهة (AML System).
وجود رقابة على الإصدارات من خلال نظام دوري (ETF Monitoring).
متابعة التحويلات عبر أدوات ذكية مثل TruveRule.
تجارب الدول
بعض الدول مثل سويسرا اعترفت رسميًا بالبيتكوين كأصل رقمي وليس كعملة بديلة، وأصدرت تراخيص لمنصات التداول، وفرضت الضرائب عليها، وسمحت للبنوك بالتعامل بها، مما أدى إلى جذب المستثمرين وتعزيز القبول الدولي.
ومن المقترحات المفيدة أن تُصدر كل دولة عملة مستقرة وطنية، مثل أن تطلق مصر عملة رقمية مرتبطة بالجنيه المصري ومغطاة بالذهب أو الاحتياطي النقدي، بحيث يتم إصدارها وفقًا للطلب والإنتاج الحقيقي فقط. كما يمكن للبورصة المصرية أن تنشئ منصة تداول رقمية خاصة بها مرتبطة بالعملة المستقرة للدولة، وتخضع للرقابة المالية والقانونية.