2026|مسارات جديدة للسياسة النقدية نحو استدامة الاقتصاد المصري

31-12-2025 | 11:02
د.آيات البطاوي

يرسم عام 2026 ملامح مرحلة جديدة في مسار الاقتصاد المصري ، تتقاطع فيها سياسات التيسير النقدي مع جهود تعزيز الاستقرار المالي وبناء موارد مستدامة من النقد الأجنبي.

وتنطوي التوقعات للعام الجديد على خفض تدريجي لأسعار الفائدة، وتحسن نوعي في هيكل الاحتياطيات الدولية، إلى جانب تحول متزايد نحو الاستثمارات الانتاجية وتقليص الاعتماد على الأموال الساخنة والتدفقات قصيرة الأجل.

وفي هذا السياق نتناول في هذا التحقيق الصحفي المشهد الاقتصادي المصري في عام 2026، مستعرضا رؤى عدد من الخبراء المصرفيين والاقتصاديين حول مسارات الفائدة والتضخم، والاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، وتحويلات المصريين بالخارج، مع التركيز على فرص تحويل السيولة إلى نمو حقيقي قائم على الإنتاج والتصدير، والتحديات المرتبطة بإدارة خروج الأموال الساخنة دون الإضرار باستقرار سعر الصرف حيث يظل نجاح هذه المرحلة مرهونا بقدرة السياسات النقدية والمالية على ضبط التضخم ودعم العملة المحلية، وترسيخ أسس نمو مستدام.

2026 .. "التيسير النقدي" تعود من جديد

في مواجهة اقتصادية شاملة لاستشراف آفاق عام 2026 ، قال الخبير المصرفي الدكتور ياسر الضرغامي إن البنك المركزي المصري يستخدم أسعار الفائدة كأداة رئيسية للتحكم في معدلات التضخم رفعاً أو خفضاً، موضحاً أن التضخم يحدث نتيجة لزيادة الطلب على السلع والخدمات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وزيادة المعروض النقدي.

انتعاشة "الجنيه" وعودة الثقة في الاستثمارات الدولية

واستند الدكتور الضرغامي في تحليله إلى وجود علاقة طردية بين ارتفاع معدل الفائدة وقوة العملة المحلية، حيث يصبح الاستثمار في تلك العملة أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب فيما يعرف بالأموال الساخنة أو الاستثمارات غير المباشرة واستثمارات المحفظة، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود علاقة طردية أيضاً بين ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات، مما يؤدي بالتبعية إلى زيادة تكلفة المنتجات والأسعار، وهو ما يرفع معدلات التضخم من جانب العرض ويثبط بدوره الإنفاق والاستثمار.

فوائض الادخار

وعلى صعيد الجانب الآخر من المعادلة، أكد الضرغامي وجود علاقة عكسية ، حيث تؤدي زيادة معدلات الفائدة إلى خفض معدلات التضخم من جانب الطلب الاستهلاكي والاستثماري.

 وتابع أن ذلك يؤدي لتراجع أرصدة الطلب على الاقتراض من البنوك والمؤسسات المالية، مما يدفع الأفراد والشركات لإيداع أموالها في الأوعية الادخارية وصناديق الاستثمار في الأسهم والذهب.

 واستطرد موضحا أن ارتفاع الفائدة يغري المدخرين بزيادة العائد على مدخراتهم بدلا من الإنفاق ويقلل السيولة في السوق.

طريق آمن للمقترضين ونهاية مرحلة التعثر 

وأوضح الخبير المصرفي أنه كلما زادت معدلات الفائدة المتغيرة على المقترضين، ازدادت حالات التعثر وكثرت القضايا لدى المحاكم الاقتصادية نتيجة عدم القدرة على الوفاء بالديون مضافاً إليها غرامات التأخير ورسوم التقاضي، وهو ما يؤدي وفقاً لرؤيته إلى انخفاض الطلب الكلي وتباطؤ النمو الاقتصادي.

هبوط الفائدة لـ 6% يفتح أبواب الاستثمار

وبسؤاله عن نقطة التحول وهل يشهد عام 2026 نهاية الحقبة الانكماشية والبدء في دورة التيسير النقدي، أجاب الضرغامي: "أتوقع أن يشهد عام 2026 نهاية الحقبة الانكماشية نتيجة لانخفاض معدل التضخم عالمياً ومحلياً، واتجاه أسعار الفائدة في السوق الأمريكي نحو الانخفاض وتبعه السوق الأوروبي".

وأشار إلى أن عام 2026 سيشهد انخفاضاً تدريجياً في معدلات الفائدة على الودائع بالجنيه المصري تتراوح بين 4% إلى 6% على أقصى تقدير خلال الفترة من الربع الأول وحتى الربع الرابع من عام 2026.

الاستقرار المالي.. وجني الثمار

ورهن الضرغامي هذا التوجه بشريطة ثبات العوامل المعاكسة التي تؤدي لزيادة التضخم في السوق المحلي، والخاصة بمتغيرات السياسة المالية مثل تحركات أسعار المنتجات البترولية، وزيادة الضرائب والجمارك.

 واستطرد في حديثه عن السياسة التجارية وتأثير أسعار السلع المستوردة، بجانب عوامل السياسة النقدية محلياً مثل تحركات سعر العملة وحجم المعروض النقدي، موضحاً أنه يتم قياس أحد المتغيرات مع افتراض ثبات الآخرين للوقوف على تأثيره المنفرد.

احتياطي نقدي صامد في وجه التحديات العالمية

وحذر الخبير المصرفي من أن خفض الفائدة قد يؤدي لضعف العملة المحلية وتراجع جاذبيتها للمستثمرين الأجانب في حال تحركت الأسواق المنافسة في اتجاه مغاير، وهو ما قد يؤثر بحسب قوله على قدرة صناع السياسة النقدية في خفض الفائدة بحرية تامة تخوفاً من خروج الاستثمارات غير المباشرة في فترة زمنية قصيرة، مما قد يؤدي لنضوب أرصدة العملة الأجنبية وانخفاض الاحتياطي وصافي الأصول الأجنبية لدى البنوك.

اقتناص الفرص

وفيما يخص توقعات مسارات التضخم وضمانات الوصول للرقم الأحادي في 2026، أشار الضرغامي إلى أن العالم يتجه لحالة من الركود الاقتصادي وهي فرصة مواتية للسوق المصري لخفض التضخم، واستند في ذلك إلى الهبوط الملحوظ في أسعار السيارات عالمياً ومحلياً وحالة الركود العقاري التي دفعت المطورين لزيادة فترات التقسيط.

وأضاف أنه نتيجة حالة عدم اليقين العالمي شهدت أسعار الذهب قفزات سعرية غير مسبوقة.

خطط طموحة لكبح جماح الأسعار

وأكد الضرغامي أنه لا يتوقع انخفاض معدل التضخم إلى أقل من 10% محلياً في عام 2026 في ظل التحديات الحالية، وأرجع ذلك لعدم اليقين من قرارات السياسة المالية الخاصة بتحريك أسعار الوقود أو زيادة الضرائب والجمارك.

 ووفقاً لقوله فإن أسعار المنتجات الغذائية العالمية تتحرك صعودا، ونحن دولة مستوردة تعاني من فجوة مستمرة في الميزان التجاري المصري.

 ومن جانبه أكد الخبير المصرفي محمد سمير أن البنك المركزي المصري اتبع خلال الفترة الماضية سياسة نقدية أكثر رشداً وحكمة، مكنته من تحقيق عدد من المستهدفات الجوهرية وفي مقدمتها رفع الاحتياطيات النقدية الأجنبية إلى مستويات قياسية تقدر بنحو 50.2 مليار دولار، موضحاً أن البنك تبنى نهج الهبوط الناعم في خفض أسعار الفائدة دون اللجوء إلى التيسير الكمي واسع النطاق، بما أسهم في إحكام السيطرة على معدلات التضخم ووضعها على مسار نزولي رغم الصدمات المتتالية.

 مرونة وقائية لامتصاص صدمات 2026

​وأشار محمد سمير إلى أن البنك المركزي أظهر قدراً ملحوظاً من المرونة المدروسة في إدارة سعر الصرف.

 واستند في رؤيته إلى ما حدث خلال تصاعد الحرب التجارية في أبريل 2025 حين ارتفع سعر الصرف لمستوى 51 جنيهاً، واصفاً تلك الخطوة بأنها سياسة وقائية ومناورة محسوبة هدفت للحد من الضغوط المفاجئة.

 واستطرد مبيناً أن عام 2026 سيشهد جني ثمار هذه السياسة عبر وجود نطاق مرن يخدم استقرار الاقتصاد المحلي ويحمي الجنيه أمام أي هزات خارجية محتملة.

​إدارة "الأموال الساخنة"

 وعلى صعيد نوعية الاحتياطي النقدي، أكد الخبير المصرفي أن الاقتصاد المصري يشهد تدفقات نقدية إيجابية تعزز من متانة الموقف الخارجي، حيث من المتوقع أن تسجل تحويلات المصريين بالخارج قرابة 40 مليار دولار، بينما سجلت إيرادات السياحة نحو 17 مليار دولار.

وتابع أن تعافي إيرادات قناة السويس تدريجياً يدعم تحول الاحتياطي إلى احتياطي "نوعي" يعتمد على مصادر مستدامة، مضيفاً أن هذا التحسن الجوهري في الفجوة التمويلية قلل الاعتماد على الاستثمارات قصيرة الأجل أو ما يعرف بالأموال الساخنة لدعم استقرار العملة المحلية.

 هبوط عجز الحساب الجاري وتراجع الدولار في 2026

 وبسؤاله عن الفجوة التمويلية وتأثيرها على سعر الصرف، أجاب محمد سمير بأن تراجع عجز الحساب الجاري بنسبة تقارب 54 % يعكس تحسناً هيكلياً كبيراً.

 وأوضح أن هذه التطورات ترجمت فعليا في تراجع الدولار من مستوى 50 جنيهاً إلى نحو 47 جنيهاً ونصف مع استقرار نسبي عند هذه المستويات.

 وأشار إلى أن التوقعات لعام 2026 تميل نحو استقرار الجنيه بفضل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي تقدر بنحو 15 مليار دولار وسلاسة الوفاء بالالتزامات الخارجية دون اختناقات تذكر.

 ميزانيات قوية وصافى أصول أجنبية تاريخي بالبنوك

 وفيما يخص صافي الأصول الأجنبية، أكد الخبير المصرفي أنها سجلت مستويات تاريخية تقدر بنحو 22 مليار دولار، موضحاً أن تحول صافي الأصول الأجنبية بالبنوك التجارية إلى القيمة الموجبة يعد إشارة قوية على انحسار مخاطر التعثر وتحسن السيولة الدولارية .

ووفقاً لرؤية سمير فإن ميزانيات البنوك في عام 2026 ستكون قد تخلصت تماماً من عجز الأصول الأجنبية، مما يسمح بتكوين مراكز دولارية قوية تدعم عمليات الاستيراد وتلبي احتياجات السوق دون قيود إجرائية.

 مناعة الجنيه المصري أمام موجات التضخم العالمية

 وحذر محمد سمير من أن البيئة العالمية لا تزال شديدة التقلب، ولذلك لا يتوقع أن يتجه البنك المركزي إلى مرونة كاملة في خفض سعر الصرف حفاظاً على القدرة التنافسية للصادرات.

 وأكد أن مواجهة أي موجات تضخمية جديدة في عام 2026 ستعتمد على تعزيز مرونة الاقتصاد وتوافر احتياطيات كافية تتيح التدخل عند الضرورة.

 وبحسب قوله فإن الجنيه أصبح قادراً على امتصاص الصدمات بفضل التنسيق المتكامل بين السياسة النقدية والمالية لتحفيز الاستثمار وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.

 طموحات 2026.. استدامة النمو وتنوع القاعدة الإنتاجية

وشدد سمير على أن استقرار الجنيه في عام 2026 ليس نتاج السياسة النقدية وحدها بل هو ثمرة لتنويع القاعدة الإنتاجية والصناعية.

 وأشار إلى أن وصول الاحتياطيات الدولية لمستويات تاريخية سيعزز من قدرة الدولة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة، مؤكداً أن الاقتصاد المصري في طريقه للتحول من مرحلة سد الفجوات إلى مرحلة بناء المراكز الدولارية القوية التي تضمن التفوق في مواجهة أي أزمات مستقبلية.

نمو تحويلات المغتربين

وفي قراءة لملف تحويلات المصريين المغتربين قال الخبير المصرفي مصطفى خضر إن الارتفاع القوي في تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عامي 2024 و2025 لا يعكس طفرة دائمة بقدر ما يعكس تصحيحاً لمسار مختل بعد تقليص فجوة سعر الصرف وعودة جزء كبير من التدفقات إلى القنوات الرسمية.

وأوضح أن عام 2026 لن يكون عاماً للقفزات، بل لعام الاستقرار السلوكي في أنماط التحويل من حيث التكرار ومتوسط قيمة العملية ونسبة التحويلات المرتبطة بحسابات استثمارية مقابل الحسابات الجارية.

انطلاقة واثقة نحو استدامة الموارد

وأكد مصطفى خضر أنه يتوقع نمو التحويلات في نطاق يتراوح ما بين 5 إلى 10 % خلال عام 2026، وهو ما وصفه بالمعدل الصحي الذي يعكس ثبات الثقة إذا استمر وضوح السياسة النقدية وتجنب عودة أي فجوة سعرية موازية.

 واستطرد محذراً من أن النمو الأعلى من ذلك قد لا يكون علامة قوة، بل مؤشراً على تحويلات وقائية ناتجة عن مخاوف تضخمية أو تقلبات سعر الصرف، وهي إشارات ضغط كلي أكثر منها تحسناً هيكلياً.

تحويل السيولة لثروة

وأشار الخبير المصرفي إلى أن المخاطرة الأكبر لا تتعلق بحجم التحويلات، بل بارتفاع سرعة دوران أموال التحويلات حيث تتحول سريعاً إلى سيولة قصيرة الأجل تضغط على التضخم وسوق الصرف حتى في ظل وفرة ظاهرية للنقد الأجنبي، مشدداً على أن التحدي في عام 2026 هو إبطاء هذا الدوران لا تعظيم التدفقات.

وتابع أن البنوك تحتاج لتغيير فلسفة التعامل مع أموال المغتربين من مجرد منتجات ادخارية تقليدية إلى علاقة استثمار طويلة الأجل يتحول فيها المغترب من مرسل تحويلات إلى شريك ميزانية على المدى المتوسط والطويل.

 المغترب مستثمر استراتيجي في قلب الوطن

واستند مصطفى خضر في رؤيته إلى أن النجاح لن يتحقق عبر أسعار فائدة مرتفعة، بل عبر تصميم ذكي للأدوات يركز على توفير أدوات طويلة الأجل بعائد حقيقي موجب وربط التحويل بالاستثمار بشكل افتراضي مع حق الخروج.

واوضح أن التصميم السلوكي عالمياً يثبت فاعليته مقارنة بالحوافز السعرية، مضيفاً أن الحزمة الفعالة يجب أن تقوم على الثقة والشفافية واستقرار القواعد بدلاً من الاعتماد على التسعير وحده.

رقمنة الخدمات تخفض التكاليف بنسبة 40%

وبسؤاله عن دور التكنولوجيا في عام 2026، أجاب بأن الشراكات مع المنصات الرقمية العالمية قادرة على خفض تكلفة التحويل بنسبة تتراوح بين 20 إلى 40 % وهي عامل حاسم في تقليص القنوات غير الرسمية، إلا أنه أشار إلى أن فكرة "التطبيق الموحد للمغتربين" لن تنجح إلا إذا بنيت على حوكمة واضحة وفصل دقيق بين الملكية والتشغيل والرقابة مع حماية صارمة للبيانات، وإلا تحولت من أداة كفاءة إلى مخاطرة تشغيلية ونظامية.

 رسائل طمأنة مصرفية تعزز الشفافية

واستطرد خضر قائلاً إن الثقة تحسنت لكنها لم تحسم نهائياً، لأن المغترب لا يهرب من المخاطرة بقدر ما يهرب من الغموض، وأكد أن الحفاظ على استقرار الثقة في عام 2026 يتطلب سياسة سعر صرف قابلة للتفسير ورسائل رسمية متسقة، بجانب توفير أدوات تحوط بسيطة تحمي المدخرات من الصدمات، مثل حسابات مرتبطة بمؤشر التضخم أو ودائع بعائد متغير مرتبط بسعر صرف مرجعي معلن.

على خطى الهند.. حوكمة ذكية تقود أحلام المصريين بالخارج

وبحسب الرؤية التحليلية لخضر، يمكن النظر إلى تجربة الهند كنموذج مرجعي، حيث لم تتعامل البنوك الهندية مع التدفقات كسيولة قصيرة الأجل بل كقاعدة تمويل مستقرة طويلة الأجل.

ووفقاً لخضر فإن ربط التحويل بالاستثمار هناك تم هيكلياً وليس تسويقياً، حيث توجه نسبة معتبرة من التحويلات تلقائياً إلى ودائع متوسطة وطويلة الأجل، مما أدى لخفض سرعة دوران الأموال وتقليل أثرها التضخمي.

وشدد على أن تحويلات المصريين بالخارج في عام 2026 تمثل اختبار نضج حقيقي للمنظومة المصرفية، حيث أشار إلى أن النجاح لن يقاس بالأرقام القياسية، بل بقدرة البنوك على إدارة الثقة كأصل طويل الأجل وإبطاء دوران الأموال وتحويلها إلى استثمار منتج يدعم الاستقرار الكلي بدلاً من تغذية التضخم.

 واكد أن تجربة الهند تثبت أن استدامة التحويلات تتحقق عبر وضوح القواعد وأدوات التحوط البسيطة والثقة المبنية على الحوكمة لا على العوائد.

الاستثمارات الأجنبية المباشرة 

وفيما يخص الاستثمارات المباشرة قال الخبير المصرفي الدكتور أحمد شوقي إن الوصول إلى تدفقات استثمار أجنبي مباشر تتجاوز 40 مليار دولار في عام 2026 لن يكون تحدياً كمياً فحسب، بل هو تحدي نوعي يرتبط بطبيعة الصفقات التي تتم داخل الاقتصاد المصري كدولة ناشئة، موضحاً أن هذه التدفقات تذهب حالياً إلى القطاع الخدمي بشكل أكبر من القطاعات الإنتاجية، وهو ما يتطلب تركيزاً على فرص تشغيل وتعميق الصناعة لجذب الاستثمارات وتقديم تسهيلات شاملة لها، لكي يصبح المستهدف محرك نمو حقيقي لا مجرد رقم عابر.

​ قيادة السيولة نحو التصنيع

وأكد شوقي أن البنوك المصرية في عام 2026 مطالبة بالانتقال من دور الوسيط التمويلي إلى دور الموجه الاستثماري.

 وأشار إلى ضرورة ربط التمويل المصرفي بحوافز واضحة للقطاعات الاستراتيجية مثل الصناعة التحويلية ذات المكون المحلي المرتفع وقطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.

واستطرد في رؤيته داعياً إلى تصميم هياكل تمويل مشروطة بالأداء التصديري، بحيث يصبح خلق مورد دولاري متجدد شرطاً ضمنياً للتمويل، مما يحول الاستثمارات الأجنبية إلى مصانع وصادرات وفرص عمل دائمة تواكب الزيادة السكانية.

هيكلة الطروحات.. تحول البنوك من التغطية إلى الاستشارة

وعلى صعيد برنامج الطروحات الحكومية، أوضح شوقي أنه يمثل نقطة اختبار حقيقية للجهاز المصرفي في عام 2026، مستندا في ذلك إلى ضرورة تحول البنوك من مجرد جهات لتلقي الاكتتابات إلى بنوك هيكلة ومستشارين ماليين .

وتابع أن القيادة يجب أن تشمل طروحات لشركات لوجستية مرتبطة بالموانئ وسلاسل الإمداد وشركات البنية الرقمية، مؤكداً أن الهدف ليس جذب مستثمر استراتيجي فقط، بل إضافة تكنولوجيا وإدارة متطورة والوصول للأسواق الخارجية، لتتحول الطروحات من وسيلة لتمويل الفجوات إلى نقلة هيكلية شاملة.

​الإنتربنك الدولاري.. ضمانة الحرية الكاملة لتحويل الأرباح

وأكد شوقي أن القطاع المصرفي يسعى دائماً لتذليل المعوقات أمام المستثمرين الأجانب لضمان تحويل أرباحهم بحرية وفورية وبسعر عادل.

 واشار إلى أن نظام "الإنتربنك" وإدارة السيولة الدولارية بشكل وقائي واستباقي يعززان من بث الثقة في نفوس المستثمرين، موضحاً أن استقرار هذا النظام في عام 2026 سينعكس بشكل مباشر على قرارات الشركات العالمية بالتوسع وإعادة استثمار أرباحها داخل مصر بدلاً من تحويلها للخارج، مما يدعم استقرار صافي الأصول الأجنبية.

​الرخصة الذهبية.. مسارات سريعة لتمويل المشروعات الكبرى

وبسؤاله عن أثر الرخصة الذهبية على السياسات الائتمانية في عام 2026، أجاب بأنها ستسهم في تسريع دورة الاستثمار وخفض تكلفة التمويل وربط الائتمان بالتصدير بشكل مباشر.

 وأضاف أن هذه الرخصة تعالج إشكاليات التنفيذ وتخفض حالة عدم اليقين التنظيمي، مما يسمح للبنوك بإطلاق حزم تمويل سريعة وقبول العقود التصديرية المستقبلية كضمان جزئي للتمويل.

وأكد أن اعتماد هياكل تمويل المشروعات المتقدمة سيجعل من مصر منصة إقليمية للإنتاج والتصدير والنمو المستدام.

​استدامة النمو

وبحسب الرؤية التحليلية التي طرحها شوقي، فإن تضافر هذه الجهود المصرفية سيعيد تشكيل خارطة الاستثمار في مصر بحلول عام 2026 وفقاً لما اكده من أهمية تحويل التدفقات الرأسمالية إلى أصول إنتاجية.

 وشدد على أن العمل على تحقيق هذه المحاور سيضمن أن يكون مستهدف 40 مليار دولار بداية لحقبة جديدة من الاستقرار الاقتصادي القائم على الإنتاج الحقيقي وتوليد الموارد الذاتية من النقد الأجنبي.

 إدارة خفض الفائدة 

أكدت محللة الاقتصاد الكلي دينا الوقاد أن الحديث عن دورة تيسير نقدي محتملة في عام 2026 يأتي في سياق مختلف جذريًا عمّا عرفناه في السنوات السابقة. أوضحت أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بتوقيت خفض الفائدة، بل بكيفية إدارة هذا الخفض دون تعريض استقرار سعر الصرف لمخاطر خروج مفاجئ للأموال الساخنة، ودون إعادة إنتاج نموذج نمو قائم على تدفقات مرتفعة التكلفة وقصيرة الأجل.

 مواجهة ارتدادات الخروج المفاجئ للسيولة

 قالت دينا الوقاد إن البنك المركزي المصري لا يتعامل مع خفض الفائدة كقرار منفصل، بل كجزء من إطار نقدي أوسع قائم على استهداف التضخم وإدارة مرنة لسعر الصرف .

وبينت ان أي خفض متوقع للفائدة في 2026 سيكون مشروطًا باستمرار الاتجاه النزولي للتضخم، وبقدرة السوق على امتصاص الصدمات من خلال سعر صرف مرن، مدعوم باحتياطي نقد أجنبي كافي وليس عبر الدفاع الإداري عن الجنيه.

 الاستغناء التدريجي عن التدفقات الساخنة

​أشارت محللة الاقتصاد الكلي إلى أن الخطر الحقيقي ليس في خفض الفائدة ذاته، وإنما في طبيعة المستثمر الذي يستهدفه الاقتصاد، موضحة أن الأموال الساخنة بطبيعتها شديدة الحساسية للفروق في أسعار الفائدة العالمية، ولا تستجيب للأساسيات الاقتصادية طويلة الأجل.

 أكدت أن الحد من مخاطر خروجها يتم عبر تغيير الوزن النسبي لهذه التدفقات داخل ميزان المدفوعات، فحينما تصبح الأموال الساخنة مكمّلة وليست مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي، فإن خروجها يفقد قدرته على إحداث صدمة عنيفة في سوق الصرف.

​وبسؤالها عن مدى قدرة الاقتصاد المصري في 2026 على الاستغناء تدريجيًا عن "الأموال الساخنة" عالية التكلفة، أجابت بأن ذلك ممكن بشكل تراكمي ومدروس وليس بشكل فجائي.

أوضحت أن مؤشرات 2024–2025 تشير إلى تحسن ملحوظ في مصادر النقد الأجنبي المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي، وعلى رأسها الصادرات غير البترولية، السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج.

 لفتت إلى أن الأهم هو تغير مسار الصادرات نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى في الصناعات التحويلية، والكيماويات، ومواد البناء.

 العمق التكنولوجي للصادرات

استطردت الوقاد موضحة أن هذا التحول في هيكل الصادرات يجعل الحديث عن الاستغناء عن الأموال الساخنة حديثًا واقعيًا وليس إنشائيًا.

 قالت إن الدول لا تمول نموها المستدام عبر فروق الفائدة، بل عبر قدرتها على توليد عملة أجنبية من إنتاج قابل للتنافس.

 تابعت مؤكدة أنه كلما ارتفعت القيمة المضافة في الصادرات، زادت مرونتها أمام الصدمات الخارجية، وتراجع الضغط الهيكلي على سعر الصرف، ولذلك فإن الرهان الحقيقي في 2026 يكمن في العمق التكنولوجي للصادرات ومدى ارتباطها بالإنتاج المحلي.

جذب "عوائد الإنتاج" بدلاً من المضاربة على الفائدة

​أشارت محللة الاقتصاد الكلي إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل الحلقة المكملة لهذا التحول، أوضحت أن الـFDI لا يوفر فقط تدفقات نقدية طويلة الأجل، بل يخلق روابط إنتاجية، ويعزز القدرة التصديرية مستقبلًا.

 استطردت مبينة أن أي نجاح في تقليص الاعتماد على الأموال الساخنة يفترض بيئة استثمارية تسمح بتحويل مصر من مقصد لعوائد الفائدة إلى مقصد لعوائد الإنتاج.

ترقية التصنيف الائتماني.. بوابة خفض المخاطر 

 وبسؤالها عن تحسن التصنيف الائتماني لمصر في 2026، أوضحت أن ذلك سيكون له أثر مباشر وقابل للقياس على تكلفة الاقتراض.

 لفتت إلى أن التصنيف الائتماني يعمل كأداة تسعير، حيث يقلل كل تحسن في الدرجة من علاوة المخاطر التي تطلبها الصناديق الدولية مقابل الاحتفاظ بالسندات المصرية.

تابعت إن هذا يعني قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها بعائد أقل، واستفادة القطاع الخاص بدوره من انخفاض تكلفة التمويل الخارجي.

أكدت  الوقاد أن أثر التصنيف الائتماني يكون أعظم عندما يتزامن مع تحسن حقيقي في المؤشرات الهيكلية وليس فقط مع استقرار مؤقت.

وأوضحت أن الأسواق لا تكافئ الترقية في حد ذاتها، بل تكافئ مصداقيتها واستدامتها، 

وأشارت إلى أن الجمع بين سياسة نقدية منضبطة، وهيكل صادرات أكثر تعقيدا وقيمة مضافة، وتدفقات استثمار مباشر حقيقية، هو ما يجعل تحسن التصنيف في 2026 ذا معنى اقتصادي فعلي.

 تحدي 2026.. تحويل الفائدة من "مخاطرة" إلى "داعم للنمو" 

أكدت أن إدارة دورة التيسير النقدي المقبلة لا تنفصل عن سؤال النموذج الاقتصادي نفسه، حيث إنه كلما اقترب الاقتصاد المصري من نموذج يعتمد على الإنتاج والتصدير والاستثمار طويل الأجل، تراجعت الحاجة إلى الدفاع عن الجنيه عبر الفائدة المرتفعة .

 وأكدت أن خفض الفائدة سيتحول حينها من مخاطرة إلى أداة طبيعية لدعم النمو، وهو التحدي والفرصة الحقيقية التي تقف أمام الاقتصاد المصري مع دخول 2026.

 

السياسة النقديةالسياسة النقدية
كلمات البحث

أحدث الأخبار