في خضم تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، على خلفية طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند، يبرز سلاح أوروبي بالغ التأثير لا يقتصر على الرسوم الجمركية، بل يمتد إلى قلب الأسواق المالية العالمية.
فبينما يدرس الاتحاد الأوروبي، خيارات الرد على تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية تتراوح بين 10% و25% على عدد من دول الناتو، تدفع فرنسا نحو تفعيل ما يعرف بأداة مكافحة الإكراه، التي تتيح استهداف الاستثمارات والتدفقات المالية، وليس التجارة فقط، ويأتي ذلك بعد ربط واشنطن فرض الرسوم بمواقف أوروبية رافضة لأي مساس بسيادة جرينلاند، وفقا لما نشره موقع Yahoo Finance.
ورغم أن التأثير الاقتصادي المباشر للرسوم المحتملة، قد يبدو محدودا إذ تشير تقديرات Capital Economics إلي خفض نمو الناتج المحلي للدول المستهدفة بنحو 0.1 إلى 0.3 نقطة مئوية، مع إضافة هامشية للتضخم الأمريكي، إلا أن التداعيات السياسية والجيوستراتيجية قد تبدو أعمق وأكثر خطورة، خاصة على تماسك حلف الناتو.
وبحسب دويتشه بنك، تمتلك أوروبا نقطة ضغط رئيسية تتمثل في حجم انكشافها المالي الكبير على الولايات المتحدة، إذ تملك الدول الأوروبية أصولا أمريكية، تشمل سندات الخزانة والأسهم، تقدر بنحو 8 تريليونات دولار، أي ما يقارب ضعف ما تملكه بقية دول العالم مجتمعة، ويعد هذا التدفق الرأسمالي عنصرا أساسيا في تمويل العجزين التجاري والمالي للولايات المتحدة.
ويرى محللون، أن أي تحرك أوروبي لتقليص حيازاته من الأصول الأمريكية قد يعيد إحياء ما يعرف بتداولات بيع أمريكا، وهو سيناريو بدأت ملامحه تظهر بالفعل في فترات سابقة، حين خفضت صناديق تقاعد دنماركية انكشافها على الدولار وسط تصاعد المخاطر السياسية.
وفي المقابل، من المرجح أن يكون تأثير هذه التطورات محدودا على اليورو والكرونة الدنماركية، في ظل تنامي التماسك السياسي داخل الاتحاد الأوروبي، حتى بين التيارات التي كانت تبدي تعاطفا سابقا مع ترامب، لكنها باتت ترفض نهجه التصعيدي.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، يشير مراقبون إلى أن أوروبا قد تمتلك نفوذا غير مباشر عبر التأثير في التضخم الأمريكي وعوائد السندات، مما ينعكس على تكاليف الاقتراض والقدرة الشرائية، في وقت بات فيه الاعتماد المتبادل بين الأسواق المالية الأمريكية والأوروبية عند مستويات قياسية.
قراءة للمشهد
يتجاوز التصعيد الحالي، كونه نزاعا تجاريا تقليديا، ليكشف عن معركة نفوذ مالي أوسع قد تكون أكثر تأثيرا على استقرار الأسواق العالمية من الرسوم الجمركية نفسها، لا سيما إذا اتجه الطرفان
نحو مواجهة مفتوحة تُستخدم فيها أدوات رأس المال والتدفقات المالية كسلاح، بما يهدد بتقلبات حادة في أسواق العملات والدين ويقوض أسس الثقة في النظام الاقتصادي العالمي.