مع اقتراب عام 2026، تتغير ملامح الإنترنت بطرق أقل وضوحًا مما اعتاده المستخدمون، حيث لم تعد التكنولوجيا وحدها هي العامل الحاسم في تطور الشبكة العالمية، بل أصبحت اللوائح التنظيمية، والجيوسياسة، وتوافر الطاقة، والمواقع القانونية والمادية للقدرات الرقمية عناصر رئيسية في تحديد مسار البنية التحتية للإنترنت وقدرته على التوسع والمرونة.
ويوضح باوليوس جوديكاس، نائب رئيس التحالفات الاستراتيجية في IPXO، أن قرارات الاستثمار في البنية التحتية للإنترنت أصبحت تتأثر بشكل متزايد بعوامل غير مباشرة، لكنها حاسمة، ستعيد تعريف المنافسة في السوق خلال العامين المقبلين، لا سيما في ظل التوسع المتسارع في الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية.
اللوائح والتنظيمات تعيد رسم خريطة الإنترنت
بحلول عام 2026، من المتوقع أن تؤدي التحديثات التنظيمية، خصوصًا في أوروبا، إلى تغييرات جذرية في بنية الإنترنت الأساسية. وستعتمد الميزة التنافسية للشركات بشكل متزايد على القدرة على الامتثال القانوني، والوصول إلى الموارد المحلية، وتوافر الطاقة والبنية التحتية، أكثر من اعتمادها على الابتكار التقني وحده.
ويرى جوديكاس أن التحولات الحقيقية ستحدث خلف الكواليس، حيث ستحدد قضايا معالجة البيانات، والاتصال، وشبكات الطاقة من سيتمكن من التوسع ومن سيتراجع، مؤكدًا أن “الحدود المادية والقانونية للإنترنت ستستعيد أهميتها في عام 2026، وستكون الشركات التي تتعامل معها كأصول استراتيجية هي الأكثر قدرة على توجيه مسار السوق.
الحوسبة السحابية السيادية: من مفهوم تسويقي إلى التزام تعاقدي
يشير الخبراء إلى أن الحوسبة السحابية السيادية ستتحول في عام 2026 من مصطلح تسويقي إلى شرط تعاقدي صريح، خاصة مع تحديث الأطر التنظيمية في الاتحاد الأوروبي ومناطق أخرى. وستتضمن العقود المستقبلية تحديد الجهة المشغلة للخدمات السحابية، ومكان إدارة البيانات، والقوانين الحاكمة لها.
وبحسب جوديكاس، فإن الهيئات الحكومية والقطاعات الحيوية ستفرض متطلبات واضحة تتعلق بجنسية المشغّل، وممارسات معالجة البيانات، والحدود القانونية، معتبرًا أن الاستضافة المحلية وحدها لم تعد كافية إذا كانت الخدمات خاضعة لولايات قضائية أجنبية. ومن المتوقع أن يمنح هذا التحول مزودي الخدمات السحابية الإقليميين وشركات الاتصالات فرصة أكبر للمنافسة في مواجهة اللاعبين العالميين.
الاتصال يتفوق على الرقائق في سباق الذكاء الاصطناعي
في ظل النمو المتسارع للحوسبة السحابية الجديدة، يتحول التركيز من امتلاك أكبر عدد من وحدات معالجة الرسومات إلى السيطرة على مواقع ذات اتصال قوي وطاقة كافية. وتشير التقديرات إلى أن إيرادات هذا القطاع قد ترتفع من 24 مليار دولار في 2025 إلى نحو 170 مليار دولار بحلول 2030، مدفوعة بالطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي.
ويؤكد جوديكاس أن المنافسة المستقبلية ستدور حول مواقع الرقائق وكيفية انتقال البيانات بينها، موضحًا أن مزودي الخدمات الذين يسيطرون على مسارات الألياف الضوئية المتميزة ومراكز الاستضافة المشتركة سيحققون قيمة أعلى. كما يتوقع ظهور منتجات جديدة تُعرف باسم "ممرات الذكاء الاصطناعي"، تجمع بين الحوسبة والنقل بزمن استجابة منخفض يمكن التنبؤ به.
الطاقة الكهربائية: العامل الحاسم في توسع الإنترنت
من المنتظر أن تصبح الطاقة الكهربائية العامل الأكثر تأثيرًا في توسع البنية التحتية للإنترنت خلال عام 2026. وتشير الدراسات إلى ارتفاع كبير في استهلاك مراكز البيانات الأوروبية، مع احتمال تضاعف الطلب ثلاث مرات بحلول 2030.
وقد بدأت آثار هذا التحدي بالظهور، حيث علّقت أيرلندا توصيلات مراكز البيانات الجديدة حتى عام 2028، بينما ارتفعت طلبات الطاقة من مراكز البيانات في بلجيكا تسعة أضعاف خلال ثلاث سنوات. ونتيجة لذلك، يتوقع الخبراء توجهًا متزايدًا نحو المدن الثانوية ذات الموارد الكهربائية الفائضة، وعقد صفقات طاقة مباشرة، واستخدام تقنيات تبريد أكثر كفاءة، وربط مراكز البيانات بمصادر الطاقة المتجددة.
تداخل تنظيمات الاتصالات والحوسبة السحابية
بحلول أواخر عام 2026، من المتوقع أن تتلاشى الحدود بين تنظيمات الاتصالات والحوسبة السحابية، خاصة في أوروبا. وبعد انقطاعات الخدمة العالمية الأخيرة، تصاعدت الدعوات لاعتبار مزودي الحوسبة السحابية الكبار جزءًا من البنية التحتية الحيوية، ما يفرض عليهم متطلبات أعلى للمرونة والإفصاح.
ويتوقع جوديكاس ظهور أول فئة رسمية لـ "المشغل السحابي"، تخضع لإشراف مزدوج من جهات تنظيم الاتصالات والحوسبة السحابية، الأمر الذي سيمنح الشركات التي تمتلك شبكات وخدمات سحابية متكاملة ميزة تنافسية واضحة، ويوفر للمشترين مستويات أعلى من الاتساق والمساءلة، و في عام 2026 لن يعاد تشكيل الإنترنت بفعل الابتكارات التقنية وحدها، بل من خلال توازن معقد بين السياسة، والطاقة، والتنظيم، والبنية التحتية، ما يجعل القدرة على التكيف مع هذه العوامل مفتاح النجاح في الاقتصاد الرقمي القادم.