تشير مداولات القمة الأوروبية الطارئة في بروكسل إلى تحول نوعي في التفكير الاستراتيجي داخل الاتحاد الأوروبي، حيث لم يعد النقاش مقتصرا على الخلافات التجارية أو الرسوم الجمركية، بل امتد إلى جوهر العلاقة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك قضايا الأمن والدفاع والاستقلال الاقتصادي، ويأتي هذا التحول في أعقاب أزمة جرينلاند والتهديدات الأمريكية السابقة، حيث أدركت العواصم الأوروبية أن مرحلة الاعتماد شبه الكامل على واشنطن باتت تمثل مخاطرة اقتصادية وسياسية، وذلك وفقا لصحيفة Welt الألمانية.
اقتصاديا، سادت أجواء من الارتياح الحذر بعد تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فرض رسوم جمركية جديدة، وإعلانه استبعاد الخيار العسكري في ملف جرينلاند، غير أن هذا الارتياح لم يبدد القلق الأوروبي، حيث يخشى القادة من عودة التصعيد في أي لحظة، مما ينعكس مباشرة على الأسواق وسلاسل الإمداد والاستثمارات العابرة للأطلسي، وفي هذا السياق، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة اليقظة، بينما أكدت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس أهمية الاستعداد لعدة سيناريوهات.
وتكشف القمة عن إدراك أوروبي متزايد بأن الاقتصاد والأمن باتا وجهين لعملة واحدة، حيث إن التهديد بضم أراض أو استخدام القوة يتجاوز كونه نزاعا سياسيا ليصبح عاملا يضرب الثقة في بيئة الاستثمار، وقد اعتبر مسؤولون أوروبيون أن التلويح بضم جرينلاند شكل خرقا لمحظور سياسي تاريخي، حيث انتقل الخلاف من مستوى الرسوم التي تراوح بين 15٪ و20٪ إلى التشكيك في السلامة الإقليمية لدول حليفة.
في هذا الإطار، برز ملف الاستقلال الدفاعي كعنصر محوري في النقاش، حيث أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن الجزء الأوروبي من حلف شمال الأطلسي يجب أن يكون قادرا على الدفاع عن نفسه، وهو ما يعني ضمنا زيادة الإنفاق العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية الأوروبية، ويترجم هذا التوجه اقتصاديا إلى فرص استثمارية كبيرة في قطاعات الصناعات العسكرية والتكنولوجيا المتقدمة والبنية التحتية الاستراتيجية.
كما أعاد القادة الأوروبيون إحياء مفهوم الاستقلال الاستراتيجي، حيث تحدث رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن بناء أوروبا أكثر استقلالا، وهو مسار لا يقتصر على الأمن، بل يمتد إلى التجارة والطاقة والتكنولوجيا، وفي هذا السياق، جرى التلويح باستخدام أداة اقتصادية شديدة التأثير تعرف داخل أروقة بروكسل باسم بازوكا، وهي آلية لمواجهة الضغوط الاقتصادية، تسمح بفرض قيود على الشركات الأمريكية أو استهداف الخدمات الرقمية، مما قد يلحق أضرارا متبادلة بالاقتصادين الأوروبي والأمريكي.
ورغم أن هذه الأداة وضعت جانبا مؤقتا بعد تراجع واشنطن، فإن مجرد تداولها يعكس تغيرا في المزاج الأوروبي، حيث لم تعد سياسة التهدئة الخيار الوحيد، وبدلا من ذلك، يتجه الاتحاد إلى ما يعرف بسياسة تقليل المخاطر تجاه الولايات المتحدة، وهو مفهوم كان مستخدما سابقا حصرا في التعامل مع الصين، لكنه بات اليوم جزءا من الخطاب الاقتصادي الأوروبي الأوسع.
في المحصلة، توضح نتائج القمة أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة تسعى فيها إلى إعادة توازن علاقتها مع واشنطن، حيث يصبح تقليل الاعتماد الاقتصادي والعسكري أولوية استراتيجية، وبينما لا يعني ذلك قطيعة كاملة، فإنه يشير إلى مسار طويل الأمد يعيد تشكيل خريطة الاستثمارات والإنفاق العام والشراكات الدولية، ويضع الاقتصاد الأوروبي أمام مرحلة إعادة تموضع قد تحدد ملامحه لعقود مقبلة.