رغم الزخم العالمي المتزايد حول الذكاء الاصطناعي، لا تزال مكاسب الإنتاجية الموعودة بعيدة عن التحقق الفعلي، حيث تحولت هذه التكنولوجيا إلى محور الاحتفاء الأبرز في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، للعام الثالث على التوالي، بينما تتسع الفجوة بين الخطاب المتفائل والنتائج الاقتصادية الملموسة، ومع ذلك تستمر الوعود في التضخم، وتزداد الرهانات على مستقبل تقوده الخوارزميات لا البشر فقط، وذلك وفقا لصحيفة WirtschaftsWoche الألمانية.
خلال اجتماعات دافوس، وجه إريك شميت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل، رسالة واضحة إلى أوروبا، حيث دعاها إلى تطوير نموذجها الخاص للذكاء الاصطناعي، محذرا من أن الولايات المتحدة تتجه إلى نماذج مغلقة المصدر، بينما تمضي الصين في دعم النماذج المفتوحة، وهو ما قد يدفع أوروبا في النهاية إلى الاعتماد على نماذج صينية، في ظل غياب استراتيجية أوروبية واضحة، حسب وصفه، وهو ما يتطلب سرعة، وتمويلا ضخما، وطاقة سياسية عالية.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة أوروبا على إنجاز مشروع من هذا النوع، حيث إن سجلها في المشاريع التقنية الكبرى متباين، كما يظهر في مبادرات مثل GAIA-X أو مشروع غاليليو الفضائي، وهو ما يفتح الباب أمام الشكوك بشأن جدوى نموذج ذكاء اصطناعي مركزي تقوده بروكسل.
وعلى عكس الأعوام السابقة، اتسمت نقاشات الذكاء الاصطناعي في دافوس بقدر أقل من الخطاب الفقاعي، حيث انصب التركيز على التطبيقات العملية داخل ما يسمى بغرفة المحركات، بعيدا عن الشعارات، وبرزت مسألة تحقيق القيمة المضافة الحقيقية من خلال الاستخدامات الفعلية للتقنية، لا مجرد تطوير النماذج ذاتها.
شبّه جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، ثورة الذكاء الاصطناعي بكعكة متعددة الطبقات، تبدأ بالطاقة، ثم الرقائق، ثم الحوسبة السحابية، ثم النماذج، وتنتهي بالتطبيقات، مؤكدا أن القيمة الاقتصادية الحقيقية تتحقق في الطبقة العليا، حيث توجد التطبيقات القابلة للتوسع التجاري.
أحد المفاهيم المحورية التي تكررت في دافوس كان مفهوم توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، حيث انتقل النقاش من مرحلة التوقعات إلى مرحلة التنفيذ، وسعت شركات كبرى إلى عرض حالات استخدام حقيقية، وصرح أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لأرامكو السعودية، بأن مئات الإجراءات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أسهمت في تحقيق قيمة مضافة تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار، عبر تحسين عمليات الاستكشاف والإنتاج، مع الإشارة إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في التطبيق الفردي، بل في تعميمه على نطاق واسع.
في السياق نفسه، برز مفهوم انتشار الذكاء الاصطناعي أو AI Diffusion، حيث أكد ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، أن الفائز الحقيقي في سباق الذكاء الاصطناعي لن يكون من يطور التكنولوجيا، بل من ينشرها بسرعة وكفاءة، مشددا على أن القيمة الاقتصادية والاجتماعية لا تتحقق إلا عندما تصبح النماذج والبيانات والبنية التحتية متاحة على نطاق عالمي.
وأشار ناديلا إلى أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية تحتية عالمية للحوسبة، عبر ما وصفه بمصانع الرموز، التي يجب أن تنتشر عالميا كما انتشرت الكهرباء سابقا، موضحا أن معيار التقدم الجديد أصبح يقاس بعدد الرموز المنتجة لكل دولار ولكل واط، في إشارة إلى كفاءة تحويل الطاقة إلى مخرجات رقمية قابلة للاستخدام.
أما المفهوم الأكثر تداولا هذا العام فكان الذكاء الاصطناعي الوكيلي، حيث تتولى أنظمة مستقلة تنفيذ مهام كاملة نيابة عن البشر، من إدارة العمليات إلى اتخاذ القرارات، ومع أن الأمثلة العملية لا تزال محدودة، إلا أن التوقعات تشير إلى توسع سريع، خاصة في قطاع التجارة.
أعلن الرئيس التنفيذي لشركة فيزا أن المرحلة المقبلة ستشهد ظهور التجارة الوكيلية، حيث لن يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على اقتراح المنتجات، بل سيمتد إلى الشراء، وحجز الرحلات، والتفاوض على الأسعار، وإدارة الجداول الزمنية، اعتمادا على تاريخ المستخدم وسلوكه، وهو ما يتطلب أنظمة عالية الثقة، وبنية تنظيمية جديدة.
ورغم الحضور المحدود لمخاوف فقدان الوظائف، ساد خطاب تفاؤلي حول إعادة التأهيل وخلق أدوار جديدة، حيث جرى التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي سيحرر العاملين من المهام الروتينية، ويعيد توجيههم نحو جوهر وظائفهم، لا إلغائها.
في المقابل، تراجع الحديث عن المخاطر إلى الهامش، باستثناء تحذيرات محدودة، أبرزها ما طرحه مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة سيلزفورس، الذي أشار إلى الجانب المظلم للذكاء الاصطناعي، محذرا من تأثيراته الأخلاقية والاجتماعية، ومتسائلا عن أولوية النمو الاقتصادي مقابل حماية الأجيال القادمة.
أما عن الذكاء الاصطناعي العام أو الفائق، فقد اتفق معظم المشاركين على أنه لا يزال على بعد خمس إلى عشر سنوات، رغم تسجيل ثلاثة تطورات رئيسية خلال العام الماضي، تتمثل في تحسن نماذج الوكلاء، وانتشار النماذج المفتوحة، والتقدم في الذكاء الاصطناعي الفيزيائي القادر على فهم العالم الطبيعي.
في المحصلة، يكشف مشهد دافوس أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وعد مستقبلي، بل معركة اقتصادية وجيوسياسية حاضرة، غير أن العائد الحقيقي لا يزال رهنا بقدرة الدول والشركات على تحويل الضجيج التقني إلى قيمة إنتاجية قابلة للقياس.