بعد أشهر من الشدّ والجذب، بات مستقبل نشاط منصة «تيك توك» في الولايات المتحدة واضحًا، حيث أسست الشركة الأمّ الصينية تحالفًا مشتركًا مع كونسورتيوم أمريكي لتولي تشغيل المنصة داخل السوق الأمريكي. وتشير تقارير إعلامية إلى أن قيمة الصفقة تقترب من 14 مليار دولار، وذلك وفقًا لصحيفة WirtschaftsWoche الألمانية.
ما يبدو للوهلة الأولى تحركًا اقتصاديًا بحتًا، يتجاوز في جوهره منطق الاستثمار والأعمال، إذ يمثل ضربة جديدة لتعددية الرأي داخل اقتصاد يُفترض أنه يقوم على حرية التعبير، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التداخل بين النفوذ المالي والتوجيه السياسي، ضمن سياق تبتعد فيه الولايات المتحدة تدريجيًا عن نموذجها الديمقراطي التقليدي.
تضع الصفقة شبكة رقمية جديدة تحت سيطرة مليارديرات مقربين من السلطة، حيث يبرز لاري إليسون، مؤسس «أوراكل»، كأحد أبرز اللاعبين في إدارة نشاط «تيك توك» الأمريكي. ويعكس هذا التطور مسارًا متسارعًا لتركيز قوة تشكيل الرأي العام في أيدي نخبة مالية ذات أجندات سياسية واضحة.
هذا النمط ليس جديدًا، إذ سبق لإيلون ماسك أن حوّل منصة «إكس» إلى مساحة غير خاضعة للرقابة الديمقراطية، يتم فيها توجيه الخطاب العام، ونشر محتويات مضللة، وتضخيم روايات بعيدة عن الوقائع والمعايير القانونية، دون أي مساءلة حقيقية من قبل المالك أو الجهات المنظمة.
منصات أخرى، مثل «تروث سوشيال»، تحولت عمليًا إلى أدوات دعائية، في حين تواصل شركات كبرى مثل «ميتا» التملص من المسؤولية القانونية عبر تصنيف نفسها كمنصات تقنية لا إعلامية، وهو طرح يجد قبولًا مقلقًا في عدد من الأنظمة السياسية.
لا تقتصر تداعيات هذا الواقع على الولايات المتحدة فقط، إذ أصبحت المنصات الرقمية مصدرًا رئيسيًا للمعلومات لدى ملايين الشباب حول العالم، ما يفتح الباب أمام توجيه خوارزمي واعٍ قائم على مصالح المالكين، يمتد أثره إلى أوروبا والأسواق المجاورة.
في حين تبقى «تيك توك» في أوروبا تحت إدارة صينية، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى هذا البديل، في ظل خوارزميات قادرة على إعادة تشكيل الوعي العام، ليصبح الخيار أقرب إلى المفاضلة بين أزمتين مختلفتين في الشكل ومتطابقتين في الخطر.
الأكثر خطورة أن آليات تركيز القوة الإعلامية، وتضييق الخطاب، واستثمار الاستقطاب، باتت حاضرة أيضًا في الأسواق الإعلامية الألمانية، حيث تُستخدم القدرات المالية لعدد من المؤسسات في توجيه الرأي العام، وتعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض القيم الديمقراطية.
الدرس الاقتصادي والسياسي من صفقة «تيك توك» واضح؛ إذ إن حماية التعددية الإعلامية، ودعم المؤسسات العامة المستقلة، لم تعد رفاهية تاريخية، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار المجتمعات المفتوحة. ففي اللحظة التي تتحول فيها قوة التأثير إلى عملة سياسية، تصبح المخاطر أكبر من مجرد تطبيق رقمي، وتمس جوهر النظام الديمقراطي ذاته.