خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، يبرز مشهد لافت على الممشى الرئيسي للمدينة، نوافذ ممتدة مُزَيَّنة بألوان لافتة، صالات تعج برجال أعمال ومستثمرين ومسؤولين، فعاليات يومية وعلاقات عامة مدروسة، حيث يبدو كل شيء جاهزا لعرض القوة الاقتصادية وجذب رأس المال، لكن هذا المشهد لا يُمثِّل ألمانيا، بل بلجيكا، وذلك وفقا لصحيفة WirtschaftsWoche الألمانية.
في الوقت الذي تحولت فيه دافوس إلى سوق استثماري عالمي مفتوح، تغيب ألمانيا بشكل شبه كامل عن واجهة الترويج لنفسها، رغم أنها أكبر اقتصاد في أوروبا، وهو غياب بات يُثير تساؤلات حتى داخل الحكومة الألمانية نفسها، حيث تساءل وزراء علنا عن سبب عدم وجود بيت ألماني في دافوس، وهو سؤال يكشف عمق أزمة التواصل الاستثماري الألماني مع العالم.
بلجيكا، التي لم تُعرَف تاريخيا كقوة اقتصادية عظمى، افتتحت بيتا خاصا بها خلال المنتدى، باستثمارات تُقارِب مليون يورو، حيث تُنظِّم عشرات الفعاليات، وتستضيف رؤساء شركات عالمية، بل وحتى رئيس الوزراء، في خطوة تهدف إلى تحسين صورة البلاد الاستثمارية وتعزيز جاذبيتها، وهي استراتيجية تعتبرها بروكسل ناجحة ومُجدية اقتصاديا.
الممشى الرئيسي في دافوس تحوّل خلال أيام المنتدى إلى معرض عالمي للاستثمار والنفوذ، حيث تستأجر الشركات والدول الفنادق والمطاعم وحتى الكنائس لعرض قدراتها، من جوجل وقطر والسعودية وصولا إلى صناديق الاستثمار الأمريكية، بينما تظل أوروبا، وألمانيا تحديدا، حضورا هامشيا في هذا السباق العالمي على رأس المال.
هذا الغياب يتناقض مع طموحات الحكومة الألمانية الجديدة، حيث يسعى المستشار فريدريش ميرتس إلى إعادة ألمانيا إلى خريطة الاستثمار الدولي، مُؤكِّدا أن البلاد تريد أن تكون شريكا قويا وموقعا جاذبا للاستثمارات العالمية، مستندا إلى خبرته السابقة في عالم المال والأسواق.
الحكومة وضعت خطة من ثلاث مراحل، تبدأ بإصلاحات اقتصادية داخلية، ثم الحصول على دعم واضح من كبرى الشركات الألمانية، وتنتهي بحملة ترويج دولية لجذب المستثمرين، وتُعَدّ دافوس جزءا أساسيا من هذه المرحلة الأخيرة، حيث شارك هذا العام عدد غير مسبوق من المسؤولين الألمان في المنتدى لتوحيد الرسائل الاقتصادية.
التحول لم يقتصر على الوجوه، بل شمل اللغة الاقتصادية نفسها، حيث تتحدث الحكومة اليوم عن قصة استثمارية جديدة لألمانيا، وعن تحفيز استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية والتكنولوجيا والتحول الصناعي، مع وعود بقواعد واضحة واستقرار طويل الأجل، وهي مفردات لم تكن شائعة في الحكومات السابقة.
رغم ذلك، لا يزال المستثمرون متحفظين، حيث يُرحِّبون بالتوجه الجديد، لكنهم ينتظرون أدلة أقوى على الإصلاحات، خاصة في ما يتعلق بالتنظيمات الأوروبية والضرائب وسرعة اتخاذ القرار، فرغبة البحث عن بدائل للاستثمار خارج الولايات المتحدة تتزايد، لكن التحول الجذري لم يتحقق بعد.
مع ذلك، تُسجِّل الأرقام مؤشرا إيجابيا، حيث بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ألمانيا عام 2025 نحو 96 مليار يورو، وهو أول عام منذ 2003 تدخل فيه استثمارات أكثر مما يخرج من البلاد، وفق بيانات معهد الاقتصاد الألماني، وهو تطور يمكن البناء عليه إذا ترافقت الأرقام مع سياسة ترويج فعالة.
شخصيات اقتصادية بارزة، مثل رئيس بنك التنمية الألماني، تُؤكِّد أن صورة ألمانيا في الخارج أفضل من نظرتها لنفسها، لكن هذا الرصيد من الثقة لا يكفي وحده، حيث يبقى دعم الشركات المتوسطة، وتخفيف الأعباء، وتسريع القرارات عوامل حاسمة، خاصة أن عام 2026 يُنظَر إليه كعام اختبار حقيقي لمصداقية التحول الاقتصادي.
في دافوس حيث تُبنى الانطباعات وتُحدَّد مسارات الاستثمار، يظهر بوضوح أن الغياب لا يقل كلفة عن الحضور الخاطئ، وأن السؤال عن بيت ألماني ليس مسألة رمزية، بل يعكس صراعا حقيقيا على النفوذ الاقتصادي، ومكانة ألمانيا في اقتصاد عالمي بات يعتمد بقدر كبير على الصورة، والرسالة، وسرعة المبادرة.