في ميناء هامبورغ، تدخل البنية التحتية اللوجستية مرحلة جديدة من التطور، حيث بدأت شركة هامبورغ للموانئ والخدمات اللوجستية تشغيل رافعات حاويات يتم التحكم بها عن بُعد، في خطوة تعيد الميناء إلى صدارة التكنولوجيا العالمية، وتعزز قدرته التنافسية في سوق الشحن الدولي، وذلك وفقًا لصحيفة Welt الألمانية.
على رصيف محطة ألتنفيردر، تقف واحدة من أحدث رافعات الحاويات في ألمانيا في مرحلة التشغيل الفعلي. وهي هيكل فولاذي ضخم من تصنيع «ليبهير»، يعمل بالكامل دون وجود أفراد في موقع الرافعة، حيث تتحرك المركبات الآلية، وترفع الحاويات، وتضعها على السفن من خلال أنظمة تحكم رقمية دقيقة، بينما تتم الإدارة من مبنى المكاتب التابع للمحطة.
يقود العملية موظفون مدربون يجلسون أمام شاشات متعددة، حيث يتم التحكم في نقل الحاويات بهدوء ودقة، دون التعرض لإجهاد العمل التقليدي على ارتفاعات شاهقة، أو الاهتزازات المستمرة التي كانت تميز العمل داخل كبائن الرافعات القديمة، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في بيئة العمل داخل الموانئ.
إدارة الشركة تؤكد أن هذا التحول التكنولوجي يهدف إلى رفع كفاءة التشغيل وضمان استدامة العمليات على المدى الطويل، حيث صرّح الرئيس التنفيذي للشركة بأن الاستثمار في هذه الرافعات يعزز القدرة التنافسية للميناء، ويؤسس لعمليات أكثر كفاءة وأمانًا، مع الالتزام بتأهيل العاملين لدمج التقنيات الجديدة بنجاح داخل منظومة العمل.
تبلغ كلفة كل رافعة جديدة عشرات الملايين من اليورو، وقد وصلت أولى هذه الأنظمة إلى هامبورغ نهاية عام 2024 عبر سفن خاصة، في إطار خطة شاملة لتحديث جميع رافعات محطة ألتنفيردر بحلول عام 2030، حيث سيتم استبدال 14 رافعة تقليدية بأنظمة يتم التحكم بها عن بُعد.
السلطات المحلية ترى في هذا المشروع ضرورة استراتيجية، إذ تؤكد وزارة الاقتصاد والعمل في هامبورغ أن تحديث البنية التحتية للميناء شرط أساسي للحفاظ على موقعه كأكبر ميناء في ألمانيا، وأن الأتمتة ترفع الكفاءة والإنتاجية بشكل مستدام، في وقت تتغير فيه طبيعة الوظائف ويتطلب الأمر إعادة تأهيل مستمرة للقوى العاملة.
أهمية هذا التحول لا تقل عن التحول التاريخي من الشحن التقليدي إلى الحاويات قبل عقود، إذ إن الموانئ التي لا تواكب هذا التطور تخاطر بفقدان موقعها أمام منافسين مباشرين مثل روتردام وأنتويرب وبريمرهافن، خاصة أن الهدف التشغيلي يتمثل في تجاوز 30 حاوية في الساعة لكل رافعة، وهو مستوى لم تصل إليه بعض محطات هامبورغ بعد.
إلى جانب السرعة، تبرز أزمة نقص العمالة كعامل حاسم، حيث تواجه الشركة تحدي إحلال أعداد كبيرة من العاملين المتقاعدين خلال السنوات المقبلة، ومع توقع زيادة حجم المناولة، تصبح الأتمتة ضرورة لا خيارًا، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن الوظائف، إذ تؤكد الإدارة أن البرنامج لا يستهدف خفض العمالة.
بيئة العمل الجديدة داخل مكاتب التحكم توفر ظروفًا إنسانية أفضل، حيث يمكن للعاملين التواصل، والاستراحة، والعمل في ظروف مريحة، مقارنة بساعات العمل المنعزلة داخل كبائن الرافعات التقليدية، وما يصاحبها من معاناة آلام الظهر والإرهاق الناتج عن الوضعيات الخاطئة.
تأخر اعتماد هذا النظام في هامبورغ يعود إلى تعقيد دمجه في محطات قائمة بالفعل، إضافة إلى قوة نظام مشاركة العمال في اتخاذ القرار داخل الشركة، رغم أن محطة ألتنفيردر كانت عند افتتاحها عام 2002 الأكثر تطورًا عالميًا بفضل المركبات الآلية الموجهة عبر مجسات أرضية، والتي استبدلت الرافعات التقليدية لنقل الحاويات.
لاحقًا، فقدت المحطة هذا التفوق لصالح منشآت حديثة في روتردام وآسيا، حيث جرى منذ البداية اعتماد رافعات يتم التحكم بها عن بُعد، وهو ما دفع هامبورغ اليوم إلى تسريع خطوات التحديث لاستعادة مكانتها.
في محطتي بورخاردكاي وتوليرورت، لن يتم تطبيق التحكم عن بُعد بالكامل في المدى القريب، بسبب طبيعة الأنظمة الحالية، إلا أن الشركة تخطط لاعتماد رافعات شبه مؤتمتة في أكبر محطاتها، مع الإبقاء على كابينة السائق التقليدية، في مسار تدريجي يجمع بين التكنولوجيا والاستقرار التشغيلي.