في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد الهوية الوطنية مجرد سرد تاريخي أو إطار ثقافي رمزي، بل تحولت إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدول، القادرة على تعزيز الثقة المجتمعية، وبناء المرونة، ودعم التنافسية على الساحة العالمية. هذا ما خلص إليه التقرير الذي نشرته القمة العالمية للحكومات تحت عنوان «الوجود والانتماء: استدامة الهوية الوطنية في ظل عالم متغير»، بالتعاون مع Strategy& الشرق الأوسط التابعة لشبكة PwC.
التقرير يعيد طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للدول أن تحافظ على هويتها الوطنية، لا بوصفها ماضيا ثابتا، بل كقوة حية قادرة على التكيف والاستمرار؟
عالم متغير يضغط على الهوية
يشير التقرير إلى أن العولمة، والهجرة، والتطور التكنولوجي المتسارع، أعادت تشكيل وعي الأفراد بالانتماء والهوية. هذه التحولات خلقت ضغوطا غير مسبوقة على الهويات الوطنية، ووضعت الحكومات أمام تحدٍ مزدوج:
إما إدارة الهوية بوعي وسياسات مدروسة، أو تركها تتآكل تدريجيا تحت وطأة التحولات، بما قد ينعكس سلبا على التماسك الاجتماعي والثقة العامة.
ورغم هذه التحديات، يؤكد التقرير أن الهوية الوطنية ما تزال تمثل رصيدا طويل الأجل إذا ما أُحسن توظيفها.
بناء الهوية.. خيار سياسي لا مسار تلقائي
يطرح التقرير فكرة محورية مفادها أن الهوية الوطنية لا يجب أن تُترك للتشكل العشوائي. فحين تُبنى الهوية بشكل واعٍ، تصبح أداة لتعزيز التوافق بين الأفراد والمؤسسات، وترسيخ الثقة المتبادلة، ودعم الاستقرار والمرونة على المدى الطويل.
أما ترك الهوية لتتطور تلقائيا، فقد يؤدي إلى فجوات اجتماعية، وتراجع المصداقية، وضعف القدرة على إدارة الأزمات والتحولات.
من النظرية إلى التطبيق: إطار عملي للهوية
أحد أهم إسهامات التقرير يتمثل في تحويل الهوية الوطنية من مفهوم تجريدي إلى إطار عملي قابل للتحليل والتقييم وصنع السياسات.
ويؤكد أن لا وجود لنموذج موحد للهوية الوطنية، إذ يختلف مصدر التماسك الاجتماعي من دولة إلى أخرى، تبعا لمحركات متعددة، مثل القيم المدنية، أو الثقافة، أو الدين، أو التاريخ المشترك، أو حتى السرديات الاقتصادية والإنجازات الوطنية.
هذا التنوع يتطلب من كل دولة فهما عميقا لسياقها الخاص، بدل استنساخ نماذج جاهزة.
الخليج.. الهوية كسياسة عامة
يستعرض التقرير نماذج من دول مجلس التعاون الخليجي، بوصفها أمثلة على التعامل النشط مع الهوية الوطنية.
في الإمارات العربية المتحدة، تبرز السياسات التي تركز على حماية اللغة العربية، وإلزامية تعليمها، وتعزيز اللهجة الإماراتية في الإعلام الرسمي، إلى جانب الاحتفالات الوطنية والعادات المجتمعية، كأدوات لترسيخ الانتماء في مجتمع متعدد الجنسيات.
أما المملكة العربية السعودية، فيبرز نهج دمج الهوية الوطنية في السياحة والإعلام والتنمية الاقتصادية، من خلال برامج ثقافية واسعة ومشروعات تاريخية تفاعلية، تعيد ربط المجتمع بماضيه في إطار رؤية مستقبلية.
الهوية والثقة.. علاقة عضوية
تؤكد ديمة السايس، الشريكة في Strategy& الشرق الأوسط، أن تراجع الهوية الوطنية غالبا ما يرافقه تآكل في الثقة والتماسك الاجتماعي.
في المقابل، فإن تعزيز الهوية بشكل مدروس يسهم في ترسيخ الشعور بالمسؤولية الجماعية، ويدعم استدامة المؤسسات ونجاح مسارات التنمية.
أما ميليسا رزق، مديرة استشراف المستقبل والابتكار، فتشير إلى أن الهوية الوطنية ليست جامدة، بل يعاد تشكيلها باستمرار، خصوصا في عالم رقمي شديد الترابط، ما يستدعي التمييز بين ما يجب الحفاظ عليه، وما يمكن تطويره أو إعادة صياغته.
أربعة أعمدة لهوية قابلة للقياس
يقدم التقرير تصنيفا عمليا يقسم الهوية الوطنية إلى أربعة مقومات رئيسية:
- مقومات ديموغرافية: الأصل، الدين، التراث المشترك
- مقومات ثقافية: اللغة، التقاليد، الرموز، التعبير الإبداعي
- مقومات اقتصادية: العدالة في الفرص وتوزيع الموارد
- مقومات مدنية: الحقوق، السيادة، كفاءة الحكومة
هذا التقسيم يساعد الحكومات على تحديد جوهر هويتها الوطنية وربطها بنتائج قابلة للقياس، مثل مستويات الثقة والمشاركة المجتمعية.
يخلص التقرير إلى أن الهوية الوطنية، حين تُدار كسياسة عامة، يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للاستقرار والتنمية والتنافسية.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات، تصبح القدرة على إدارة الهوية بذكاء أحد أهم معايير جاهزية الحكومات للمستقبل.