هل حانت لحظة الوداع؟ تسلا تضحي بـ "موديل S" من أجل عيون الروبوتات

13-2-2026 | 10:09
فاطمة شمس

قررت شركة تسلا إيقاف إنتاج سيارتها الأيقونية موديل S، السيارة التي أطلقت شرارة التحول في صناعة السيارات الكهربائية منذ عام 2012، في خطوة اعتبرها مراقبون نقطة تحول مفصلية في مسار الشركة، وبحسب ما ذكر في صحيفة Focus الألمانية

لم يكن القرار مجرد إلغاء طراز قديم، بل خطوة تعكس تحولا أعمق داخل الشركة، إذ إن موديل S لم يكن مجرد سيارة، بل كان رمزا لبداية أسطورة تسلا، تماما كما لو أن بورشه قررت إلغاء 911، لذلك فإن السؤال لم يعد يتعلق بمستقبل طراز بعينه، وإنما بمستقبل الشركة نفسها، وهل نحن أمام إعادة اختراع جريئة أم بداية تراجع طويل
لفهم ما يحدث اليوم لا بد من العودة إلى عام 2012، حين أطلقت تسلا موديل S وسط سخرية من عمالقة الصناعة، حتى إن الرئيس التنفيذي السابق لفولكس فاغن صرح عام 2017 بأن تسلا مجرد لاعب في سوق هامشية، غير أن الواقع انقلب خلال سنوات قليلة، فأصبحت تسلا أكثر قيمة من فولكس فاغن وبي إم دبليو ومرسيدس مجتمعة، ونجحت في جعل السيارة الكهربائية منتجا مرغوبا للنخبة التقنية، كما رسخت مفهوم السيارة المعتمدة على البرمجيات التي تتحسن عبر التحديثات كما يحدث مع الهواتف الذكية
غير أن أرقام 2025 كشفت عن تحول مقلق، إذ تراجع إجمالي الإيرادات إلى 94.8 مليار دولار بانخفاض 3%، وهبط صافي الربح إلى 3.8 مليارات دولار بتراجع 46%، كما انخفضت التسليمات إلى 1.6 مليون سيارة بتراجع 9%، وفي الربع الرابع وحده تراجع الربح 61% ليصل إلى 840 مليون دولار، وهي المرة الأولى في تاريخ الشركة التي ينخفض فيها إجمالي الإيرادات السنوية
في الوقت ذاته تجاوزت شركة BYD الصينية تسلا لتصبح أكبر مصنع سيارات كهربائية في العالم، بينما لم تعد موديلات S وX إضافة إلى سايبرترك تمثل سوى 3% من إجمالي المبيعات، أي نحو 50 ألف سيارة فقط مقابل 1.6 مليون من موديل 3 وY، وكان ماسك قد اعترف سابقا بأن إنتاج S وX استمر لأسباب عاطفية، أما الآن فقد انتهت تلك المرحلة
تتعدد أسباب التراجع، أولا تقادم التشكيلة الإنتاجية، إذ لم تقدم تسلا منذ إطلاق موديل Y عام 2020 طرازا جماهيريا جديدا، كما تم إلغاء مشروع السيارة منخفضة التكلفة البالغ سعرها 25 ألف دولار لصالح التركيز على مشروع الروبوتاكسي، أما سايبرترك فلم يحقق النجاح المتوقع، ثانيا احتدام المنافسة بعد أن فقدت تسلا ميزة السبق، خصوصا مع صعود الشركات الصينية التي تقدم سيارات أرخص وأكثر حداثة، ثالثا الجدل السياسي المحيط بإيلون ماسك والذي أثر سلبا على صورة العلامة خاصة في أوروبا حيث تراجعت المبيعات 28% رغم نمو السوق، رابعا السياسات الأمريكية الجديدة التي قلصت دعم السيارات الكهربائية وأضعفت عائدات بيع شهادات الكربون التي اعتمدت عليها تسلا لسنوات
أمام هذا المشهد أعلنت تسلا تحولا استراتيجيا نحو ما تسميه الذكاء الاصطناعي الفيزيائي، أي الأنظمة القادرة على العمل في العالم الحقيقي، ويتصدر المشهد ثلاثة مشاريع رئيسية، أوبتيموس الروبوت البشري الذي يجري تجهيز مصنع فريمونت لإنتاجه بهدف الوصول إلى مليون وحدة سنويا على المدى الطويل، ومشروع الروبوتاكسي الذي بدأ تشغيله تجريبيا في أوستن مع خطط للتوسع في سبع مدن أمريكية أخرى إضافة إلى إنتاج مركبة سايبركاب دون مقود أو دواسات، إلى جانب استثمار ملياري دولار في شركة xAI التابعة لماسك لدعم تقنيات القيادة الذاتية، وتخطط تسلا لضخ أكثر من 20 مليار دولار استثمارات خلال 2026 أي أكثر من ضعف استثمارات العام السابق
لكن قراءة أكثر تحفظا تشير إلى فجوة بين الطموح والواقع، فشركة Waymo التابعة لغوغل تنفذ نحو 400 ألف رحلة أسبوعيا في ست مدن بأسطول يضم 2500 مركبة، بينما تشير البيانات المتاحة إلى أن تسلا شغلت عشرات المركبات فقط مع وجود سائقين احتياطيين، كما أن القوانين الأمريكية تحد من إنتاج المركبات الذاتية الجديدة عند 2500 وحدة سنويا، أما روبوت أوبتيموس فلا يزال في مرحلة البحث والتطوير وسط منافسة شرسة من شركات مثل Boston Dynamics وUnitree وXpeng
ورغم ذلك لا تزال القيمة السوقية لتسلا تتجاوز قيمة أكبر 25 شركة سيارات مجتمعة، إذ يتم تقييمها كشركة تقنية لا كشركة تصنيع تقليدية، ويظهر ذلك في مضاعف الربحية الذي يتجاوز 250 مقابل 5 لفولكس فاغن و8 لفورد و30 إلى 40 لشركات تقنية كبرى مثل آبل وأمازون، غير أن هذا التقييم المرتفع كان قائما على قصة نمو مستمرة في قطاع السيارات، وهو ما لم يعد قائما اليوم
يزيد المشهد تعقيدا تشابك مصالح شركات ماسك، فهو يملك حصصا مؤثرة في تسلا وSpaceX وxAI، وقد شهدت السنوات الأخيرة عمليات نقل استثمارات بين هذه الكيانات، ما أثار دعاوى قضائية من مساهمين في تسلا يتهمونه بتحويل موارد الشركة لدعم مشاريعه الأخرى، كما يثار حديث عن احتمال اندماج تسلا مع SpaceX، وهو سيناريو قد يضع ماسك في موقع تفاوضي مزدوج بحكم ملكيته الأكبر في الشركتين
في المقابل لا يمكن إغفال نمو قطاع الطاقة في تسلا الذي ارتفع 27% ليصل إلى 12.8 مليار دولار، ما يعكس تنوع مصادر الإيرادات، غير أن جوهر القصة يظل مرتبطا بقدرة الشركة على استعادة ريادتها، فبعد أن كانت سباقة في السيارات الكهربائية والبرمجيات والقيادة الذاتية أصبحت اليوم لاعبا بين لاعبين كثر، أما رهانات الذكاء الاصطناعي والروبوتات فلا تزال في مرحلة الاختبار
يبقى السؤال مفتوحا، هل ينجح إيلون ماسك مجددا في قلب الطاولة كما فعل سابقا أم أن تسلا تدخل مرحلة إعادة تموضع قاسية، المؤكد أن قرار إيقاف موديل S ليس مجرد نهاية طراز بل نهاية فصل كامل من تاريخ الشركة، وما سيأتي بعده سيحدد ما إذا كانت تسلا بصدد ولادة جديدة أم بداية أفول تدريجي للنموذج الذي غير صناعة السيارات العالمية للأبد

كلمات البحث

أحدث الأخبار