في دراسة تحليلية معمقة نشرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، رسم الدكتور محمود محي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ملامح "النظام الاقتصادي العالمي الجديد" لعام 2026 وما بعده، في مقال جاء بعنوان "دروب في رحلة البحث عن نظام جديد"، الذي لم يكن مجرد رصد للأرقام، لكن كان صرخة تحذير من فجوة الدخول المتسعة، ودعوة براجماتية لتوطين التنمية كدرع واقٍ في عالم تلاشت فيه القدرة على التنبؤ.
يشخص الدكتور محمود محي الدين حالة الاقتصاد العالمي اليوم، باعتبارها مزيجا معقدا من "القدرة المفاجئة على الصمود" و"اللايقين القاتل"، فرغم تفاؤل صندوق النقد الدولي بنمو يصل إلى 3.3%، إلا أن هذا النمو يظل "أعرج"؛ حيث يستند بشكل أساسي إلى قفزات تكنولوجية في الولايات المتحدة والصين، بينما تظل الأسواق الناشئة والبلدان الأقل دخلاً غارقة في مستنقع الديون، كما أن التحذير من انخفاض متوسط دخل الفرد في الدول الفقيرة، ليمثل 1% فقط من نظيره في الدول الغنية، هو "ناقوس خطر" يؤكد أن النظام النقدي الحالي، لم يعد قادراً على تحقيق العدالة، بل يكرس التباين الطبقي بين الأمم.
"فخ التعريفة الجمركية".. لماذا لن تنتهي الحمائية بانتهاء ولاية ترامب؟
يطرح المقال رؤية ثاقبة حول "الحمائية الجديدة"، مؤكداً أن القيود التجارية ليست وليدة اللحظة أو مرتبطة بشخص الرئيس الأمريكي فحسب، بل هي "نهج هيكلي" بدأ منذ أزمة 2008، وتفاقم بذريعة حماية المناخ تارة، وتخوف الدول المتقدمة من فقدان السبق التكنولوجي تارة أخرى، ويفرض هذا "التفتيت الاقتصادي" واقعاً جديداً، يتعين فيه على الشركات والبلدان التحول، من "تراكم المخزون" إلى "توطين الصناعة"؛ فالمخاطر الجيوسياسية والجيواقتصادية لم تعد عارضة، بل أصبحت هي المحرك الفعلي لأسعار الطاقة والغذاء وتكاليف التمويل.
الأمن القومي العربي تحت المجهر.. مثلث (المياه، الطاقة، الغذاء)
يرى الدكتور محي الدين أن منطقتنا العربية هي الأكثر انكشافاً لهذه المخاطر، بفعل "الصراعات والارتجال" في إجراءات تحول الطاقة غير العادل، فأمن المياه والغذاء لا ينفصلان عن عبء الديون وتكلفة خدمتها المرتفعة، ومن هنا تأتي الدعوة لـ "التعاون الإقليمي" كخيار استراتيجي لا غنى عنه؛ ففي ظل الانعزالية الدولية، يصبح التكامل بين دول الجوار، وتيسير سبل النقل والتجارة البينية، هو "الرئة" التي تتنفس منها الاقتصادات المحلية، لمواجهة عواصف الحروب التجارية العالمية.
"من المعمل إلى السيادة".. خارطة الطريق المصرية للعبور نحو 2030
يختتم المقال برؤية متفائلة رغم قتامة المشهد العالمي، مرتكزة على "الزخم البشري" والشباب المصري وتطور البنية الأساسية، فالتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر، هما القاطرتان اللتان ستقودان مصر نحو 2030، بشرط اتباع نهج يرتكز على:
- وحدة الموازنة العامة: لضمان الانضباط المالي والشفافية.
- استهداف التضخم: لتطوير أداء السياسة النقدية وحماية القدرة الشرائية.
- سيادة القانون: باعتبارها الحصن الداخلي الذي يحمي الحقوق ويجذب الاستثمارات.
إن رسالة الدكتور محي الدين واضحة: "العالم يتغير بعنف، والنجاة تكمن في "تحصين الدولة من الداخل"، باحترام العلم والاجتهاد في التنفيذ، فالمستقبل ينتمي لمن يستعد له، لا لمن ينتظر هبات النظام الدولي المتداعي".