"وظيفتك جنب بيتك"..مبادرة مبتكرة لمواجهة البطالة وتحفيز رواد الأعمال

7-9-2025 | 10:07
شموس التمامي

"وظيفتك جنب بيتك" مبادرة تم اطلاقها عام 2016، كنموذج أعمال (Model Business) جديد ومبتكر، قائم على تنمية الصناعات الصغيرة، ومواجهة مشكلة البطالة، وهي نتاج تعاون وثيق بين الدولة والجهات الصناعية، كما تعد نموذجا صناعيا متطورا قائما على علاقة تعاونية مبتكرة بين المشروعات الصغيرة والكبيرة.

تهدف هذه المبادرة التي مازالت مستمرة حتى الآن، إلى التصدي لتحديات توفير العمالة الماهرة، عبر إنشاء مصانع صغيرة داخل القرى، على مقربة من أماكن سكن العمال، بحيث يعمل بها أبناء القرية ويكون إنتاجها متصلا بالمصانع الكبرى في المناطق الصناعية البعيدة، مما يؤدي إلى بناء شراكة اقتصادية متكاملة بين المصانع الصغيرة والكبيرة، بما يحقق تكاملا في العملية الانتاجية ويعود بالنفع على الجانبين.

يتميّز دور الدولة في هذه المبادرة، بتوفير بيئة محفزة لنمو المشروعات واستدامتها، دون تقديم أي دعم مالي مباشر.

وأجرى المركز المصري للدراسات الاقتصادية (ECES)، دراسة متعمقة لمعرفة مدى نجاح هذه المبادرة في تحقيق الأهداف الرئيسية، ومدى إمكانية تكرار التجربة في محافظات أخرى، حيث كشفت هذه الدراسة نجاح هذه المبادرة، وذلك من خلال تحليل نتائج دراسة الحالة، لخمسة مصانع صغيرة من أصل 11 مصنعا، تم إنشاؤها في محافظة القليوبيةعام 2016، وتتعامل مع كبار المصانع في مجال الملابس الجاهزة الذي يتميز بكثافة العمالة.

وأظهرت الدراسة التي صدرت مؤخرا، نجاح هذه المصانع الصغيرة في تطوير منتجاتها، حيث قامت بتصنيع منتجات أكثر تعقيدا، كما نجحت في جذب علامات تجارية عالمية، مما يدل على أن بعض هذه المصانع قد وصلت لمستويات جودة مقبولة عالميا، موضحة أن فكرة هذه المبادرة تعتمد على إنشاء مصانع صغيرة داخل القرى، بما يضمن توفير فرص عمل مستدامة لسكان المناطق الريفية بالقرب من أماكن إقامتهم، وربط إنتاج هذه المصانع بسلاسل التوريد التابعة للمصانع الكبرى في المدن الصناعية البعيدة، مما يعزز التكامل الصناعي بين الطرفين، ويضمن نجاح المشروعات الصغيرة في تسويق منتجاتها، وذلك في إطار علاقة مؤسسية خاصة بين الحكومة وكبار المصدرين والشباب الواعد من المحافظات.

تضمنت المبادرة كما أوضحت الدراسة عددا من العناصر التي عززت من نجاحها في تحقيق أهدافها، ومن أهمها إتاحة الأراضي والمصانع الجديدة بنظام التأجير وليس التمليك مما خفف من عبء التكلفة، كما ضمنت المبادرة توفير عامل التسويق محليا وعالميا للمنتجات من خلال المصانع الراعية، بالإضافة إلى تيسير الحصول على التمويل اللازم من خلال القروض منخفضة الفائدة والاستغناء عن الضمانات المصرفية التقليدية، حيث إن التعاون مع المصانع الراعية بمثابة ضمان استمرارية النشاط وعوائده المالية، وانعكس ذلك على رفع القدرة الإنتاجية للمصانع الكبيرة، مع ضمان حصولهم على مستوى الجودة المطلوب وبتكلفة مناسبة، وذلك من خلال تعاملهم كشركاء راعين للمصانع الصغيرة الجديدة التي تعمل تحت إشرافهم ورقابتهم لضمان الحصول على الجودة المتفق عليها للمنتجات.

وبالتوازي، أكدت الدراسة ارتفاع إنتاجية المصانع الصغيرة، بالإضافة إلى تطوير منتجاتهم، والانفتاح على الإسواق العالمية، بالإضافة إلى أن المبادرة نجحت في خلق نحو 700 وظيفة جديدة، يشغل الإناث منها نحو 90%، مما أسهم في توفير فرص عمل جديدة معظمها للسيدات، كما تم الاستعانة بأبناء المناطق التي تم إنشاء المصانع الجديدة بها، مما حد من الاغتراب، ورفع من مشاركة الإناث في سوق العمل، مشيرة إلى أن قرب المسافة بين مكان العمل ومحل السكن هو أكثر العوامل تأثيرا على الإقبال على العمل في مكان ما والاستمرار فيه.

ومن خلال استكمال تقييم المبادرة حتى وقتنا هذا، يتبين قدرة المبادرة على تحقيق الاستدامة للمشروعات المنشأة، والتكيف مع كافة الظروف السلبية الطارئة، شريطة التزام المصانع بالمعايير والمبادئ التي تضمن كفاءتها وجودة منتجاتها،وتحقيقها للمستوى المطلوب من المصانع الكبيرة الراعية، للتصدير وحتى للسوق المحلية، لذلك يتضح أنه من المفيد دراسة تكرار هذه التجربة الناجحة التي تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية في مناطق أخرى، وصناعات أخرى، وفقا لاحتياجات كل صناعة وخصائصها وطبيعة كل منطقة، خاصة في ظل الازدهار الذي تشهده صناعة الملابس الجاهزة حاليا، وإمكانية إعادة تطبيق التجربة على صناعات أخرى،كالصناعات الغذائية والصناعات الهندسية، والتي يتم تصنيع جزء كبير من إنتاجها بالفعل في الصين بطريقة مماثلة.

ولتنفيذ ما سبق، أكدت الدراسة ضرورة تحقيق عدد من العناصر الاساسية، وهي تبني الدولة المبادرة كمبادرة قومية، من خلال تقديم حوافز لتشجيع المصانع والشركات الراعية على الشراكة مع المصانع الصغيرة، كأن تربط التعاون بينها بتقديم حوافز ضريبية للمصانع الكبرى المشاركة، وقبول البنوك التجارية لضمانات ميسرة وأكثر مرونة على القروض، في حال ثبوت المشروع لقدرته على تسويق منتجه، واعتناق الدولة لفكر تأجير الوحدات الانتاجية للشباب بدلا من تملكها، ليتمكن أصحاب المصانع الصغيرة الجديدة من توجيه مواردهم التمويلية نحو رفع قدرتهم الانتاجية مما يقلل من التكاليف الرأسمالية والتشغيلية عليهم.

وكشفت الدراسة أن المبادرة ساعدت في سداد احتياجات السوق المحلية، بمنتجات الملابس الجاهزة كبديل عن المنتجات المستوردة، كما وفرت لمصدري الملابس الجاهزة، خطوط إنتاج إضافية تعزز قدرتهم التصديرية دون الحاجة الى استثمارات جديدة.

وقد أثبتت المبادرة نجاحها، من خلال وجود مشروعات صغيرة جديدة، نشأت بشكل مستقل عن دعم الدولة، أو المبادرة نفسها محل الدراسة، مما أسهم في توفير فرص عمل متنوعة داخل القرى، وإدخال الصناعة كنشاط جديد آمن بيئيا، في قرى لم تعرف إلا الزراعة كنشاط اقتصادي، وقد أسهم ذلك بشكل ملموس في خفض معدلات البطالة في المناطق الأكثر فقرا.

يقوم تقييم مدى نجاح المبادرة، على إجراء تحليل كمي ووصفي تفصيلي لموقف المصانع التي تم إنشاؤها في إطار مبادرة "وظيفتك جنب بيتك" حتى عام 2021، أي بعد مرور خمس سنوات على إنشائها، وتم استكمال التقييم عام 2024، كما تقوم فكرة هذه المبادرة على تأجير المباني أو الوحدات الإنتاجية وليس تملكها، لذلك قامت المحافظة بتوفير أراض لا تصلح للزراعة من أملاك الدولة، وطرحها للشباب للتشغيل والإدارة، من خلال تأجيرها بأجر رمزي لعدد محدود من السنوات، وتوفير عقد رعاية مع أحد المصانع التي تقوم بتصدير منتجاتها من الملابس الجاهزة، وترتبط بسلاسل الإنتاج العالمية، لضمان الفرصة التسويقية للمصانع الناشئة.

بالإضافة لما سبق، تم مساندة هذه المصانع فنيا، من خلال تدريب العاملين بها لدى كبرى مصانع الملابس الجاهزة، وماديا من خلال تقديم البنك الأهلي المصري، لقروض تمويلية تحت إطار مبادرة الـ "5%" المقدمة من البنك المركزي، لشراء الماكينات ومستلزمات تجهيز المصانع، بضمان المشروع ودون ضمانات شخصية من المشاركين.

وأوضحت الدراسة أن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها مبادرة "وظيفتك جنب بيتك" هي: ضمان تسويق المنتج مقدما، باعتباره الركيزة الأساسية المستدامة لأي مشروع، وتأجير المباني أو وحدات الإنتاج للشباب بدلا من تمليكها، بهدف تخفيف الأعباء المالية عنهم، وتوجيه الموارد المالية المتاحة نحو دعم العملية الإنتاجية ذاتها، وتحقيق منفعة اقتصادية مباشرة للمستثمر الكبير المتعاون مع أصحاب المشروعات الناشئة، لضمان قبوله بالشراكة واستمراريتها، ثم المتابعة الفنية الدورية لأداء المصانع الصغيرة من قبل المصنع الكبير، لضمان جودة الإنتاج وتحقيق المعايير المطلوبة. مؤكدة أن أي دعم استثنائي تقدمه الدولة لهذه المشروعات الناشئة هو محدود ومؤقت، وينتهي بمجرد استقرار المشروع وقدرته على العمل بشكل مستقل، والتركيز على المناطق المهمشة التي يرتفع فيها معدلات الفقر وخصوصا المناطق الريفية، بالإضافة إلى التركيز على قطاعات لا تضر بالبيئة مثل الملابس الجاهزة، نظرا لوجود المصانع قرب المناطق السكنية، وفي منشآت ذات مساحات محدودة.

أسهمت المبادرة كذلك في الحد من انتقال العمالة مما يسهم في تخفيض التلوث واستهلاك الوقود والمواصلات العامة، وفي نفس الوقت اتاحة العمالة المطلوبة للانتاج للمصانع المصدرة، والتوسع في إنتاج ملابس جاهزة قابلة للنفاذ بنجاح إلى الأسواق العالمية من خلال خلق طاقات إضافية خارجية لهذه المصانع بجودة عالية، وتوفير فرصة متكاملة لرواد الأعمال بالحد الأدنى من المخاطر التسويقية، في ضوء وجود تعاقد بين المشروع والشركة الراعية "المصدرة" طوال فترة سداد التمويل، بالإضافة إلى خلق طبقة جديدة من صغار رواد الأعمال، من الشباب الذين يعيشون في المناطق الريفية المرتبطة بمعدلات الفقر الأعلى في مصر.

وكذلك تحقيق مرونة أكبر في ديناميكية الإنتاج التصديري لكبار المصدرين من خلال انضمام عدد من المصانع الصغيرة لهم، وانضمام المصانع المقامة في إطار المبادرة إلى الاقتصاد الرسمي منذ البداية، مع تحقيق كامل للشمول المالي، من خلال وجود المحافظة والبنوك بشكل كامل في كل مراحل المبادرة، بالإضافة إلى تشجيع وتطبيق ناجح لنموذج الصناعات الصغيرة المغذية التي تنضم سريعا لسلاسل القيمة العالمية من خلال التصدير، وأيضا تنمية المناطق المهمشة في مصر، وإتاحة فرص عمل لائقة بها، وأخيرا تشغيل النساء وتخفيف حدة البطالة لديهن.

توصي الدراسة في نهايتها، بضرورة وجود جهة حاضنة تتبنى هذا النموذج، وتعمل على تكراره في أماكن أخرى، موضحة أنه قد تكون وزارة التنمية المحلية أو وزارة التضامن، هي الجهة الأنسب لهذه المهمة، مؤكدة أهمية تشجيع الدولة القطاع الخاص على المشاركة ورعاية هذه التجارب الناجحة.

ومن الجدير بالذكر، أن وزارة التنمية المحلية قامت بتوفير قطع أراضٍ مناسبة داخل القرى لإنشاء المصانع، بمشاركة اتحاد الصناعات المصرية، الذي قدم دعما فنيا وتدريبيا من خلال غرفة صناعة الملابس الجاهزة والمجلس التصديري للملابس الجاهزة، بالإضافة إلى الجمعية المصرية لخدمات البحث والتدريب.

كما أشارت الدراسة إلى الاستفادة الكبيرة التي حققتها الدولة من نجاح المبادرة، حيث أسهمت بشكل كبير في خفض البطالة، وإتاحة فرص عمل في مناطق مهمشة، وترشيد استخدام الطاقة،وتخفيف الضغط على الطرق ووسائل المواصلات، وكذلك المرافق والبنية التحتية للمدن الرئيسية والصناعية، وخلق طبقة جديدة من رجال الأعمال من صغار المستثمرين في المناطق الريفية، وكذلك زيادة الصادرات من الملابس الجاهزة، وإنشاء مبادرات صناعية جديدة داخل القطاع الرسمي، وتبني نموذج ناجح يتحقق فيه الكفاءة الاقتصادية، والشمول المالي واحترام البيئة بدون دعم دائم من الدولة.  بالإضافة إلى استفادة محافظة القليوبية التي تم تنفيذ المبادرة بها، من الأراضي غير الصالحة للزراعة، عبر استخدامها في أنشطة صناعية ملائمة، بالقرب من مناطق سكن العمال، ودخول أنشطة إنتاجية جديدة داخل المحافظة، والحصول على مقابل تأجيري يحقق عائدًا من الاستثمار في المباني.

وأخيرا سلطت الدراسة الضوء على استفادة البنك المركزي والبنوك التجارية، من تنفيذ مثل هذه المبادرات، حيث تم تحقيق التطبيق المثالي لمبادرة البنك المركزي، لدعم المشروعات الصغيرة بفائدة منخفضة "5%"، حيث إن ضمان المشروع هو الأساس للحصول على التمويل، كما يحصل على هذا التمويل شباب ليس لديهم موارد، وتتم كل إجراءات التعامل في مراحل المبادرة من خلال البنك "شمول مالي بمعناه الصحيح".

جدير بالذكر أن العديد من العمال الذين لم يستمروا في العمل بالمصانع، أيا كانت الأسباب التي أدت بهم لذلك، قاموا بإطلاق مشاريعهم الذاتية على نطاق ضيق، أو فتح ورش خاصة بهم، مما يعظم من الآثار الاقتصادية الإيجابية المباشرة وغير المباشرة للمبادرة.

ويذكر أن فكرة المبادرة انبثقت نتيجة لتضافر عدد من الاعتبارات، أبرزها ندرة العمالة الفنية في المدن الصناعية، وعزوف الكثيرين عن العمل فيها، بسبب ارتفاع تكاليف التنقل اليومية بين أماكن السكن والعمل، ومن هنا جاء الحل المبتكر بإنشاء مصانع صغيرة في القرى لتوفير فرص عمل مستدامة داخل المحافظات، مما أسهم في تقليل معدالت البطالة خصوصا بين الإناث، بالإضافة إلى دعم الشباب، وخلق جيل جديد من صغار رواد الأعمال المحليين.

كما تعزز هذه المبادرة قدرة المجتمعات المحلية على الاحتفاظ بسكانها، والحد من ظاهرة الاغتراب والهجرة إلى المدن الكبرى، بالإضافة إلى التحول نحو الاقتصاد الرسمي وزيادة إيرادات الدولة من العملة الأجنبية، وذلك من خلال تعزيز الصادرات والاستثمار في بدائل الواردات.

كلمات البحث

أحدث الأخبار