في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي بوتيرة غير مسبوقة، تقف صناعة الشرائح الإلكترونية - القلب النابض للاقتصاد الرقمي الحديث - كواحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية التي تحدد مستقبل الدول اقتصاديا وتكنولوجيا، واليوم، تتجه مصر بخطى حثيثة نحو توطين هذه الصناعة، مستندة إلى رؤية وطنية طموح لدخول عصر الثورة الرقمية بقوة.
وفقًا لتقرير رسمي صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، تشكل الشرائح الإلكترونية العمود الفقري لصناعات عدة، من الاتصالات إلى السيارات الكهربائية، مرورًا بالأجهزة الطبية والطاقة المتجددة، وتقدر مبيعات الشرائح عالميا في 2025 بحوالي 687 مليار دولار، بزيادة سنوية تتجاوز 12%، بينما يستورد العالم بقيمة تقترب من 488 مليار دولار من هذه الشرائح سنويًا، تستورد مصر فقط حوالي 24 مليون دولار منها، ومعظمها من الصين. فهل حان الوقت لتغيير هذا الواقع؟
لا تكتفي مصر بفرص السوق فقط، بل تمتلك مقومات أساسية للصناعة، أهمها المواد الخام مثل الرمال البيضاء “السيلكا” والمعادن النادرة كالولفراميت والتنتالوم، وهي موجودة في مناطق متعددة بشرق البلاد، هذه الموارد تضع مصر في موقع متميز لجذب استثمارات صناعية ضخمة، وتبشر بإمكانية بناء قاعدة تصنيع محلية تنافسية.
خطت الحكومة المصرية خطوات مهمة عبر إنشاء المجلس الوطني لتوطين تكنولوجيا صناعة الرقائق الإلكترونية والخلايا الشمسية، واستعانت بمكاتب استشارية عالمية لوضع خارطة طريق واضحة لتحقيق الطموحات الوطنية، كما تتوسع مبادرات التدريب والتعليم لتأهيل كوادر مصرية متخصصة في هذا المجال، بالتعاون بين وزارتى التعليم العالي والبحث العلمى والتربية والتعليم الفني.
لا تقتصر أهمية هذه الصناعة على قطاع واحد، بل تتعداه إلى مجالات متعددة تشمل صناعة الأجهزة الكهربائية والمنزلية، التي تشهد نموا سريعا في مصر، إضافة إلى السيارات الكهربائية والأجهزة الطبية والألواح الشمسية، كل هذه القطاعات تحتاج إلى رقائق إلكترونية عالية الجودة، مما يفتح آفاقًا كبيرة لتطوير الصناعة محليا وتقليل الاعتماد على الواردات.
على الرغم من الفرص الكبيرة، تواجه مصر تحديات في تأسيس هذه الصناعة المتقدمة، من حيث التكنولوجيا والتنافس الدولي الحاد، لكن الاستفادة من تجارب دول مثل: ماليزيا والهند وسنغافورة، وبناء شراكات استراتيجية مع شركات عالمية مثل: سامسونج، يمكن أن يسرع من وتيرة النجاح.
توطين صناعة الشرائح الإلكترونية ليس مجرد هدف صناعي، بل هو خطوة استراتيجية لتحويل مصر إلى مركز تكنولوجي إقليمي قادر على خلق آلاف الوظائف، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الابتكار، وجذب استثمارات ضخمة، هذا المشروع الطموح يعكس رؤية مصر للمستقبل، إذ التكنولوجيا تلعب دورًا رئيسيًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
مع كل هذه المعطيات، يبدو أن مصر على أعتاب فصل جديد من الإنجازات التكنولوجية والصناعية، يعزز مكانتها على الخريطة العالمية للاقتصاد الرقمي.