في عالم يتغير بين ساعة وأخرى، ووسط تقنيات متلاحقة على مدار الساعة تتغير الاختيارات وتتبدل التوجهات وتظهر للوجود منتجات جديدة وتختفي أخرى. وفي هذه اللحظات يقف العالم حائرا بين السيارات الكهربائية الحديثة وتلك التي تعمل بمحرك الاحتراق الداخلي، باعتبار الأولى هي تطور حديث يحاول اتقاء ارتفاع أسعار الوقود من ناحية، والتجاوب مع زيادة صرامة المعايير البيئية من ناحية أخرى، والاستفادة من زيادة عمر المحركات الكهربائية في السيارات التي تعمل بالبطاريات bev ليصبح مماثلا لعمر محركات البنزين من ناحية ثالثة. لكن على الجانب الآخر يقف البعض محافظا على إخلاصه لمحركات الاحتراق الداخلي التقليدية رخيصة الثمن، التي يمكنها أن تقطع مسافة تتراوح بين 600 و800 كيلو متر بخزان وقود ممتلئ مقارنة بمسافة تتراوح بين 300 و500 كيلو مترا فقط لمعظم السيارات الكهربائية. كما يتمسك هؤلاء بحالة الأمان النسبي التي توفرها لهم سيارات الاحتراق الداخلي في الرحلات الطويلة التي قد يصعب فيها العثور على نقاط إعادة الشحن بالكهرباء. والبعض منهم يرى أيضا أن سيارته التي تعمل بالبنزين أو الديزل لا تحتاج إلا إلى بضعة دقائق لإعادة التزود بالوقود في مقابل عدة ساعات لإعادة الشحن في السيارات الكهربائية. وبين هؤلاء وهؤلاء يصبح الاعتماد على معايير موحدة للمقارنة أسلم طريق للوصول لنتائج موثوقة، وهو ما نجده على السطور التالية:
كفاءة فائقة
يعول الكثيرون على جودة الهواء والأسباب المتعلقة بالمناخ كسبب أساسي لشراء السيارات الكهربائية متغافلين عن حقيقية أن السيارات الكهربائية تعد أكثر كفاءة في تحويل الطاقة إلى حركة من السيارات التقليدية التي تعمل بالبنزين أو الديزل . ففي حين أن السيارات التقليدية عادة ما تحول 20 إلى 35% فقط من طاقة الوقود إلى حركة فعلية، يمكن للسيارات الكهربائية تحويل ما يتراوح ما بين 60% إلى 80% من الطاقة الكهربائية إلى حركة فعلية. ويعني هذا أن هذه السيارات الكهربائية تتمتع بكفاءة فائقة لأنها تستخدم طاقة إجمالية أقل لقطع نفس المسافة من مكان لآخر. كما أن السيارات الكهربائية أكثر كفاءة في حركة المرور أثناء التوقف والتشغيل، فمثلا يمكن أن تنخفض تكاليف شحن السيارة الكهربائية إلى 7 بنسات فقط في بريطانيا لكل ميل مقابل نحو 20 بنسا لكل ميل عند تعبئة السيارة بالوقود العادي. ووفقا لتقرير أصدرته شركة energy innovation فإن السيارات الكهربائية الحالية أكثر كفاءة بما يتراوح بين 2.6 و4.8 مرة في السفر لمسافة ميل واحد مقارنة بمحرك الاحتراق الداخلي الذي يعمل بالبنزين.
تراجع الأسعار
لا تقتصر المقارنة بين السيارتين على الفوائد المتحققة على المدى القريب بل إن لها أبعادا كبيرة على المدى الطويل، خاصة مع قيام صانعي السيارات الكهربائية بتخفيض أسعارها في العام الماضي، بالإضافة إلى الحوافز التي تقدمها الدول لحائزي هذه السيارات. فوفقا لبيانات شركة cox automotive فإن متوسط السعر المدفوع لشراء سيارة كهربائية جديدة يتراجع بشكل شبه سنوي، ففي سبتمبر 2023 انخفض السعر بنحو 14300 دولار أمريكي عن العام الذي سبقه، ويعني هذا أن ثمن شراء السيارة الكهربائية أعلى من سعر ثمن شراء سيارة جديدة تعمل بالغاز بنحو 2800 دولار فقط. ومع النمو السريع لسوق السيارات الكهربائية يتوقع الخبراء أن يتراجع متوسط السعر بصورة أكبر على مدى السنوات القادمة، لأن الشركات المصنعة ستقوم بإنتاج طرازات أكثر بأسعار معقولة وتحسين تكنولوجيا البطاريات، وكما هو معروف فإن البطاريات هي الجزء الأعلى سعرا في السيارة. وتقدم بعض الحكومات في الوقت الحالي بعض الحوافز المالية للحد من الفجوة بين أسعار السيارات الكهربائية وأسعار سيارات محرك الاحتراق الداخلي للحفاظ على البيئة، ومن ذلك مثلا المكافأة البيئية التي تصل إلى 7 آلاف يورو التي تقدمها الحكومة الفرنسية لتقليل تكلفة شراء السيارات الكهربائية.
العمر الافتراضي
وعند المقارنة بين السيارات الكهربائية والسيارات التي تعمل بالبنزين تتضح الفوائد المالية طويلة الأجل للسيارات الكهربائية على الرغم من أن ثمن شراء السيارات الكهربائية في البداية يكون أعلى، إلا أن التكلفة الإجمالية التشغيلية بمرور الوقت تجعل السيارات الكهربائية أرخص من السيارات التي تعمل بالبنزين. وتظهر النتائج التي كشف عنها تقرير بعنوان "تضييق الفجوة العمرية بين السيارات الكهربائية وسيارات الاحتراق الداخلي في بريطانيا" ونشرت عنه منصة lse.ac.uk أن متوسط العمر الافتراضي للسيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات الكهربائية يصل إلى 18.4 عاما، وهو ما يماثل العمر الافتراضي لمحركات البنزين ويتجاوز محركات الديزل. فالتقدم السريع في التقنية مكن السيارات الكهربائية الحديثة من تحقيق عمر افتراضي مماثل لسيارات البنزين حتى عند الاستخدام المكثف، بل إن السيارات الكهربائية الهجينة يمكن أن تقطع مسافة تصل إلى 124 ألف ميل خلال عمرها الافتراضي لتتجاوز بذلك السيارات التقليدية التي تعمل بالبنزين.
الإصلاح والصيانة
أما فيما يتعلق بمصروفات الإصلاح والصيانة، سنلاحظ أن السيارات الكهربائية تتميز بانخفاض متطلبات الصيانة وتكاليفها لأنها تحتوي على أجزاء ومكونات ميكانيكية أقل من السيارات التي تعمل بمحرك احتراق، فهي لا تحتاج مثلا إلى تغيير الزيت أو استبدال فلتر الهواء بانتظام، ولأن المحرك يعمل بالكهرباء فإن الأجزاء المتحركة فيه تكون أقل عددا الأمر الذي يعني أن السيارات الكهربائية تتكبد نصف نفقات الإصلاح والصيانة التي تتكبدها السيارات التي تعمل بالبنزين. من ناحية أخرى فإن صيانة السيارات الكهربائية يمكن أن تتم كل 30 ألف كيلو متر، بينما يمكن أن تتم صيانة السيارات التي تعمل بالاحتراق كل 15 ألفا أو 20 ألف كيلو متر، ويعني هذا توفير يتراوح بين 600 إلى 1200 جنيه إسترليني سنويا في المتوسط، كما تؤكد المقارنة التي تمت على هذين النوعين من السيارات في المملكة المتحدة، أي أن تكلفة صيانة سيارات البنزين أعلى بنسبة 24% عن سيارات الكهرباء. وإن كانت بعض المصادر كمنصةnrdc.org تؤكد أن تكاليف صيانة وإصلاح السيارات الكهربائية تقل بنحو 40% عن السيارات المماثلة التي تعمل بالبنزين. ووفقا للأرقام التفصيلية التي نشرتها منصة fulli.com تتراوح تكلفة الصيانة السنوية للسيارات الكهربائية بين 320 و600 يورو مقارنة بما يتراوح بين 800 إلى 1200 يورو للسيارات التي تعمل بمحرك احتراق داخلي، كما تتميز السيارات الكهربائية بما يعرف بالفرملة المتجددة “regenerative” braking ويقصد بها استرجاع الطاقة عند الفرملة، حيث يتم تحويل طاقة الفرملة إلى كهرباء تخزن في البطارية مما يعزز من كفاءة استهلاك الطاقة، ويقلل تآكل الفرامل ويطيل من عمرها ويوفر تكاليف استبدال وسادات الفرامل التي يمكن أن تكلف مبلغا يتراوح بين ستين إلى 150 يورو بحسب منصة fulli.com.
مخاوف البطارية
تثير المخاوف من تغيير البطارية التي تعمل بها سيارات الكهرباء مخاوف الكثير من المشترين وتدفعهم للبعد عنها، غير أن الكثيرين لا يعرفون أن بطاريات السيارات الكهربائية الحديثة تم تصميمها بشكل يجعلها أطول عمرا، وعادة ما تحافظ على أدائها في أعلى حالاته لفترة تصل إلى 20 عاما أو ما يعادل 186 ألف ميل. وحتى الانخفاض الذي يطرأ على قوة البطارية بعد فترات الاستخدام الطويلة لا يتجاوز 10% إلى 15% فقط بعد سنوات من الاستخدام. وأحيانا يلجأ المستخدمون إلى استبدال بعض الخلايا دون المستوى بدلا من استبدال البطارية بأكملها. وحتى في حالة استبدال البطارية بالكامل وهو أمر غير شائع يبلغ متوسط الكلفة إلى ما يساوي 7235 جنيها إسترلينيا. ويتوقع الخبراء أن ينخفض هذا الرقم مع تحسن سعة بطاريات السيارات الكهربائية. بالإضافة إلى ذلك فإن الشركات المصنعة للبطاريات توفر عادة ضمانات شاملة للبطارية تتراوح بين ثماني وعشر سنوات أو 100 ألف ميل.
أما فيما يتعلق بجوانب الصيانة الأخرى فإن السيارات الكهربائية تمر بنفس إجراءات الصيانة التي تمر بها السيارات التي تعمل بالبنزين، غير أن النقطة الجديرة بالاهتمام هنا هي ضرورة العناية بمتابعة ضغط الإطارات، لأن السيارات الكهربائية عادة أثقل وزنا من السيارات التي تعمل بالبنزين بسبب وزن البطارية، الأمر الذي يسرع من تآكل الإطارات.
ضرائب الانبعاثات الكربونية
يختلف أمر الضرائب المفروضة على انبعاثات السيارات من دولة لأخرى، وفي بعض الدول لا تدفع السيارات الكهربائية أية ضرائب، لأن مستوى الاتبعاثات الكربونية الناتجة عن السيارة ضئيلة جدا، غير أن بعض الدول التي كانت لا تفرض هذه الضرائب علي السيارات الكهربائية قررت مؤخرا فرض الضرائب في حدودها الدنيا على السيارات الكهربائية مع رفع النسبة بشكل سنوي غير أنه في كل الأحوال تظل الضرائب من هذا النوع على السيارات الكهربائية أقل بكثير من نظيرتها التي تعمل بالبنزين.
الكهرباء مقابل البنزين
أكدت دراسة أجراها معهد أبحاث النقل بجامعة ميتشجان عام 2018 ونشرت نتائجها منصة nrdc.org أن متوسط تكلفة تزويد السيارة الكهربائية بالوقود تصل إلى 485 دولار سنويا، مقارنة بنحو 1117 دولار سنويا للسيارات التي تعمل بالبنزين، كما أظهرت دراسة أجرتها مجلة consumer reports أن سائقي السيارات الكهربائية يوفرون ما يعادل 60% مما ينفقه مستخدمو السيارات التي تعمل بالبنزين على تكاليف الوقود.
أضف إلى ما سبق أن أسعار الكهرباء أكثر استقرارا من أسعار البنزين التي تشهد تقلبات كبيرة في الأسعار تأثرا بأسواق النفط العالمية والصراعات الجيو سياسية والظواهر الجوية المتقلبة واضطرابات سلاسل التوريد. أما الكهرباء فتخضع أسعارها لتخطيط طويل الأجل وفي بعض البلدان تخضع الأسعار لعوامل عديدة منها وقت الاستخدام، مما يسمح مثلا لسائقي السيارات الكهربائية بشحنها أثناء الأوقات التي تقل فيها تكلفة الاستهلاك فيتحكمون بشكل أكبر في تكاليف التزود بالوقود. وإن كان الأمر قد يختلف من شخص لآخر بحسب كفاءة السيارة الكهربائية وكيفية شحنها والمكان الذي توجد به، ففي بعض البلدان مثلا تكون محطات الشحن العامة خاصة محطات الشحن السريع بالتيار المستمر عادة أعلى تكلفة من الشحن في المنزل.
في النهاية فإنه مع ارتفاع أسعار الوقود والجهود العالمية للحد من انبعاثات الكربون تمثل السيارات الكهربائية حلا جذابا للكثيرين، ومع ذلك فإن السيارات التي تعمل بمحرك احتراق تتمتع بمزايا لا يمكن إنكارها والأمر في النهاية متروك للتفضيل الشخصي وعوامل الترجيح التي تختلف من بلد لآخر.