في وقت يواجه فيه العالم تحديات متصاعدة تتعلق بأمن الطاقة وتغير المناخ، تتسارع خطوات مصر لتصبح لاعبًا محوريًا في مجال الطاقة المتجددة، مدفوعة برؤية واضحة لتأمين مصادر نظيفة ومستدامة للكهرباء، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتعظيم الاستفادة من ثرواتها الطبيعية، وعلى رأسها العناصر الأرضية النادرة.
منذ عقدٍ تقريبًا، كانت أزمة الكهرباء واحدة من أبرز الأزمات التي تواجه المصريين بشكل يومي، حيث بلغ إنتاج الطاقة الكهربائية عام 2014 حوالي 22 ألف ميجاوات، في حين كانت الحاجة الفعلية تصل إلى نحو 29 ألف ميجاوات، وهو ما تسبب في انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي وصلت إلى أربع أو خمس ساعات يوميًا في كثير من المناطق.
لكن مصر، وفي إطار استراتيجية وطنية شاملة، تعاملت مع الأزمة من جذورها. وكانت البداية في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي عام 2015، حين تم التعاقد مع شركة سيمنز الألمانية لبناء ثلاث محطات كهرباء عملاقة بنظام الدورة المركبة في البرلس والعاصمة الإدارية الجديدة وبني سويف، بقدرة إجمالية تبلغ 14,400 ميجاوات، بما يعادل تقريبًا نصف إنتاج مصر وقتها.
هذه المحطات ساهمت بشكل مباشر في القضاء على الانقطاعات، وتأمين احتياجات المواطنين والمصانع والمشروعات القومية من الكهرباء. لكن مصر لم تتوقف عند مجرد سد العجز، بل اتجهت بخطى متسارعة نحو الطاقة الجديدة والمتجددة، مدفوعة برؤية طموحة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتحقيق التزاماتها المناخية، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.
بنبان.. البداية الكبرى للطاقة الشمسية
في جنوب مصر، وتحديدًا في بنبان بأسوان، أُنشئت واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، بطاقة إنتاجية تصل إلى 1546 ميجاوات. لكنها - مثل كل محطات الطاقة الشمسية التقليدية - كانت تواجه تحديًا أساسيًا، يتمثل في أن إنتاجها يتوقف تمامًا عند غروب الشمس، نتيجة لغياب الأشعة الشمسية اللازمة لتشغيل الألواح.
ومن هنا بدأت وزارة الكهرباء دراسة إنشاء محطات شمسية تعتمد على التخزين الذكي للطاقة، بحيث يمكن تشغيلها على مدار 24 ساعة. وبالفعل، تم في ديسمبر 2024 افتتاح محطة أبيدوس 1 بكوم أمبو، بقدرة 500 ميجاوات، وتوفر الكهرباء لنحو 256 ألف منزل.
المحطة اعتمدت على التكنولوجيا الصينية في التخزين، حيث تم استخدام نظام بطاريات الليثيوم بطاقة 300 ميجاوات/ساعة، وهو نظام يُستخدم لأول مرة في مصر، ويتيح الاستفادة من الطاقة الشمسية المخزنة بعد غروب الشمس. ويُعد هذا نقلة نوعية في استخدام الطاقة المتجددة، وتحقيق استقرار الشبكة الكهربائية.
محطة أبيدوس نموذج يُحتذى به
الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة المتجددة، يرى أن هذه الخطوة تمثل "بداية حقيقية" لدخول مصر عصر الطاقة الشمسية المستدامة. ويوضح أن التحدي الأكبر في محطات الطاقة الشمسية كان دائمًا هو غروب الشمس، وبالتالي توقف الإنتاج.
وأضاف في حديثه لـ"الأهرام بيزنس"، أن محطة أبيدوس 1، تمثل نقلة نوعية حقيقية، إذ تمكنت من تجاوز هذا التحدي عبر استخدام أنظمة تخزين بطاريات الليثيوم، وذلك للمرة الأولى في مصر. ولا يقتصر الأمر على تمكين المحطة من إنتاج الطاقة على مدار الساعة فحسب، بل يعزز ذلك استقرار الشبكة الكهربائية ويجعل الاعتماد على الطاقة المتجددة أكثر واقعية من أي وقت مضى.
وأشار الشناوي أيضًا إلى أن هذه البطاريات هي ذاتها المستخدمة في السيارات الكهربائية، مما يفتح آفاقًا واسعة أمام مصر لتوسيع استخدامها في مجالات النقل الأخضر والنقل الجماعي الكهربائي، وليس فقط في المحطات الكهربائية.
تصنيع محلي.. خطوة نحو الاستقلال
وفي إطار التوجه لتقليل الاعتماد على الخارج، أوضح أن الهيئة العربية للتصنيع ووزارة الإنتاج الحربي وبعض الشركات المصرية بدأت في تصنيع الألواح الشمسية محليًا، وهي تمثل نحو 60% من تكلفة إنشاء المحطات الشمسية. كما بدأت الهيئة تصنيع بطاريات الليثيوم، والتي تشكل 40% من مكونات السيارة الكهربائية، وهي نفس البطاريات المستخدمة في محطات التخزين الشمسية.
يرى الشناوي أن تصنيع البطاريات والألواح الشمسية محليًا لا يقتصر على تقليل التكلفة فحسب، بل يسهم أيضًا في خلق فرص عمل، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ويفتح آفاقًا واسعة للاستثمار في مجال تصنيع السيارات الكهربائية.
وقد تم بالفعل تنفيذ عدد من المشاريع الصناعية في هذا الاتجاه، من بينها مشروع "أتوم سولار مصر" بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتصنيع الخلايا الشمسية وأنظمة التخزين، ومشروع "إيليت سولار" لإنتاج الخلايا الشمسية، بالإضافة إلى مشروع صيني لإنتاج زجاج الألواح الشمسية. كما تعمل الشركة الوطنية للصناعات الحديدية على تصنيع أبراج توربينات الرياح.
جبل الزيت وطاقة الرياح
في موازاة الطاقة الشمسية، توسعت الدولة في إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح، حيث تم إنشاء محطة جبل الزيت، بقدرة إنتاجية تبلغ 582 ميجاوات، وهي من أكبر محطات الرياح في العالم. ويجري تصنيع الشفرات والأبراج الخاصة بالتوربينات محليًا.
وتشير التقديرات إلى أن نسبة إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة في مصر بلغت حوالي 22% من إجمالي الطاقة المنتجة، وتستهدف وزارة الكهرباء رفع هذه النسبة إلى 40% بحلول عام 2030، ثم 60% بحلول 2040، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة.
من الرمال إلى الألواح.. لجنة وطنية لاستغلال العناصر النادرة
في خطوة استراتيجية غير مسبوقة، وبتوجيه من الرئيس عبدالفتاح السيسي، تم تشكيل لجنة وطنية للاستفادة من العناصر الأرضية النادرة والحرجة، وهي عناصر تدخل في صناعة الألواح الشمسية، والبطاريات، والإلكترونيات الدقيقة، وتُعد من أساسيات مستقبل الطاقة والتكنولوجيا.
اللجنة، برئاسة وزير الكهرباء الدكتور محمود عصمت، تضم ممثلين عن وزارات الكهرباء، والصناعة، والدفاع، والتعليم العالي، وهيئة المواد النووية، وهيئة الطاقة الذرية، وهيئة المحطات النووية، بالإضافة إلى أساتذة جامعات وخبراء من مراكز أبحاث، وقيادات من شركة فوسفات مصر.
وأكد الوزير خلال أول اجتماع للجنة أن 95% من العناصر الأرضية النادرة تكون مصاحبة للمواد النووية، وهو ما يتطلب تنسيقًا كاملاً بين الهيئات الوطنية ذات الصلة، مشيرًا إلى أن الهدف هو توحيد الجهود لوضع خطة وطنية لاستخلاص هذه العناصر من خلال كيانات اقتصادية وطنية، بدلًا من تصديرها كمواد خام.
وشدد عصمت على ضرورة إعداد دراسات فنية واقتصادية لإنشاء وحدات تكنولوجية متقدمة لمعالجة هذه المواد، وتوطين التكنولوجيا اللازمة لذلك.
ويرى الشناوي أن تشكيل هذه اللجنة، يمثل خطوة ممتازة ومكملة للاتجاه نحو الطاقة المتجددة، لأن العناصر النادرة مطلوبة بشدة في الصناعات الحديثة. مؤكدا أن مصر تمتلك منها احتياطيات واعدة، خصوصًا في سيناء.
ويؤكد أن الربط بين توطين التصنيع وتوفر المواد الخام المحلية، مثل الرمال البيضاء الغنية بالسيليكون، يتيح فرصًا حقيقية لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة الطاقة النظيفة.
شبكة قوية.. وموقع جاذب للتصدير
بجانب مشروعات الإنتاج، تمتلك مصر حاليًا شبكة كهرباء قوية ومستقرة، مؤهلة لتصدير الطاقة إلى أوروبا، وهي واحدة من الأسباب التي دفعت القارة العجوز لبدء مفاوضات مع مصر لاستيراد الكهرباء الخضراء. وهو ما يجعل مشروعات الطاقة المتجددة في مصر ذات بعد استراتيجي يتجاوز حدود الداخل إلى الإقليم.
وأكد الدكتور أمجد الوكيل، الرئيس السابق لهيئة المحطات النووية، أن الطاقة المتجددة لم تعد رفاهية بل أصبحت ضرورة حتمية في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر. وأشار إلى أن مصر تمتلك رؤية طموحة وواضحة للوصول بنسبة مساهمة الطاقة النظيفة إلى 60% بحلول عام 2040، بما يعكس حرص الدولة على تأمين مصادر الكهرباء وخفض الانبعاثات الكربونية.
وأوضح الوكيل أن الطاقة النووية تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والطاقة النظيفة للأجيال القادمة، لافتًا إلى أن مصر تمتلك مقومات علمية وبحثية وبشرية قوية تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا رائدًا في مجالات الطاقة المتكاملة.
وأشار الوكيل إلى أن التعاون بين القطاعين العام والخاص وتكامل الخبرات المحلية مع الكيانات الدولية يمثلان محركًا رئيسيًا لدعم مسار التحول للطاقة النظيفة في مصر، مؤكدًا أن الدولة قطعت شوطًا كبيرًا في هذا الاتجاه بفضل الإرادة السياسية والاهتمام الرئاسي المباشر بملف الطاقة المستدامة.
وأكد أن مصر تمتلك طموحًا إقليميًا كبيرًا في أن تصبح مركزًا رئيسيًا للطاقة النظيفة، قائلًا: "نعمل كفريق من الخبراء والشركات الوطنية على دعم مسار الطاقة الخضراء في مصر، ونؤمن أن الاستثمار في الطاقة النظيفة هو استثمار في مستقبل الوطن واقتصاده واستدامة بيئته".