هل خطر ببالك يوما أن يمنحك مديرك حافزا ماليا إذا أتممت سبع ساعات من النوم ليلا. بالتأكيد لم يراودك هذا الخاطر، فمنذ الذي يهتم بك إلى هذه الدرجة. لكن هذا ما حدث بالفعل في أماكن أخرى من العالم بعد أن بات أصحاب العمل أكثر إدراكا للأهمية الاقتصادية للنوم في حياة موظفيهم.
تكلفة اقتصادية
يمثل الحرمان من النوم وباء صحيا عالميا ذا عواقب اقتصادية وخيمة، حيث تشير التقارير إلى خسائر تقدر بمئات المليارات سنويا في الإنتاجية وتكاليف الرعاية الصحية لذا ظهر عالميا ما يعرف باقتصاد النوم الذي وصلت قيمته حاليا إلى أكثر من 600 مليار دولار. وتتعدد مكونات هذه السوق الواسعة لتشمل الأدوية والأجهزة القابلة للارتداء والمراتب الذكية التي تساعد البشر على النوم بطريقة أفضل.
وبحسب التقديرات تصل التكاليف الاقتصادية لعدم كفاية النوم إلى 680 مليار دولار أمريكي سنويا في خمس من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتسجل الولايات المتحدة أعلى خسارة اقتصادية سنوية بالقيمة المطلقة، حيث تتراوح هذه الخسارة بين 280 مليار دولار و411 دولار في بعض الأحيان. وتأتي اليابان في المرتبة الثانية حيث تتراوح خسائرها الاقتصادية بين 88 مليار دولار و138 مليار دولار، وإن كانت هذه الخسارة تعد الأكبر نسبيا مقارنة بحجم اقتصادها إذ تتراوح نسبتها بين 1.86% و2.9% من الناتج المحلي الإجمالي. وتخسر الولايات المتحدة ما يعادل 1.23 مليون يوم عمل سنويا بسبب عدم كفاية النوم.
خسارة في الإنتاجية
وفقا للدراسات فإن العمال الذين ينامون أقل من ست ساعات يتسببون في خسارة في الإنتاجية أعلى بنحو 2.4% بسبب التغيب أو التواجد غير المنتج مقارنة بالعمال الذين ينامون من سبع إلى تسع ساعات. أما الموظفون المحرومون من النوم فهم أقل إنتاجية بنسبة 50% عن زملائهم الذين حصلوا على فترة راحة كافية.
وترتبط التكاليف المباشرة عادة بالإنفاق على الرعاية الصحية والخدمات الطبية المتعلقة باضطرابات النوم وعواقبها، حيث تقدر تكاليف الرعاية الصحية الناتجة عن المشاكل المتعلقة بالنوم بمئات المليارات من الدولارات سنويا. وأظهرت دراسات حول الجوانب الاقتصادية لاضطرابات النوم وعلاجاتها أن اضطرابات مثل الأرق INSOMANIA ومتلازمة انقطاع النفس أثناء النوم مثلا تزيد من استخدام خدمات الرعاية الصحية بدرجة ملحوظة. وتقدر تكاليف الرعاية الصحية الناتجة عن الحوادث المرتبطة بالنوم بأكثر من 60 مليار دولار أمريكي سنويا. فنقص النوم يؤدي إلى زيادة حوادث المرور والحوادث الصناعية والأخطاء الطبية. ويكفي أن بعض الخبراء ربط بين انفجار مفاعل تشيرنوبل وعدم كفاية النوم واضطراباته، فقد ثبت أن ليلية واحدة من قلة النوم يمكن أن تزيد الأخطاء بنسبة 300%. كما أن الشخص الذي ينام أقل من ست ساعات يوميا يزيد لديه خطر الوفاة بنسبة 13% مقارنة بالشخص الذي ينام بين سبع وتسع ساعات.
هنا يباع النوم
أدت أزمة عدم كفاية النوم إلى ازدهار سوق تجارية واسعة النطاق تهدف إلى بيع النوم لمن يرغب، أو بقول أوضح بيع المنتجات التي يمكنها تسهيل النوم وزيادة كفاءته. ويقدر الخبراء قيمة اقتصاد النوم العالمي بنحو 600 مليار دولار أمريكي بعد أن شهدت التكنولوجيا الخاصة بالنوم Sleep Tech بما في ذلك الأجهزة القابلة للارتداء والمراتب الذكية وأدوات تتبع النوم إقبالا كبيرا. كما تزايد استعداد المستهلكين للإنفاق على
المنتجات والخدمات التي تساعدهم في الحصول على قسط كاف من النوم الجيد بعد أن بات الناس يعتبرون النوم عالي الجودة سلعة ثمينة أو رفاهية Luxury Good ينبغي الحصول عليها.
وقد حققت منتجات النوم إيرادات إجمالية بلغت 28.6 مليار دولار عام 2017، وارتفع تمويل رأس المال المخاطر لتقنيات النوم من أقل من 400 مليار دولار عام 2017 إلى نحو 800 مليار دولار عام 2021. ونشأت شركات متخصصة بالكامل في تمويل الشركات الناشئة التي تركز على النوم وعلى رأسها شركة سوبر مون كابيتال.
قطاعات صناعة النوم
وتتكون صناعة النوم من عدة قطاعات رئيسية بعضها مرتبط بالعلاج، كالقطاع الطبي وقطاع الأجهزة. ويشمل هذا القطاع أجهزة ضغط مجري التنفس الإيجابي CPAP لعلاج انقطاع النفس أثناء النوم الذي استطاع أن يحقق أرباحا بلغت حقق 4.3 مليار دولار. وكذلك صناعة مختبرات النوم التي حققت نفس القدر من الأرباح. إلى جانب الأدوية الموصوفة للنوم التي حققت 1.4 مليار دولار أرباحا، فيما حققت صناعة أدوية النوم غير الموصوفة أرباحا بلغت 576 مليون دولار.
أما المنتجات الاستهلاكية ، فيمثل قطاع المراتب أكبر قطاع فيها بدخل إجمالي يصل إلى 16 مليار دولار.
التقنية والنوم
وتشمل صناعة النوم أيضا الصناعات التقنية المتقدمة مثل الأجهزة القابلة للارتداء والمخصصة لتتبع النوم والمراتب الذكية والبطانيات الموزونة Weighted Blankets. وهذه الأخيرة هي نوع من البطانيات يحتوي على وزن إضافي داخل طبقاته. يأتي هذا الوزن من حبيبات صغيرة من المواد كالزجاج المجروش أو الحبيبات البلاستيكية التي يتم توزيعها بشكل متساوي داخل البطانية لتخلق إحساسا بالراحة العميقة أو ما يعرف بالضغط العميق الذي يحفز البدن على الاسترخاء وتهدئة الجهاز العصبي. وهناك أيضا الروبوتات المخصصة للاحتضان Cuddle Robots أو روبوتات العناق وهي أجهزة روبوتية مصممة لتقديم نوع من الراحة العاطفية عن طريق محاكاة العناق البشري وتستخدم غالبا تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والتفاعل الفيزيائي لتحاكي العناق البشري، وهناك أيضا تطبيقات النوم والزيوت المحفزة للنوم.
سياحة النوم
أما ما يثير الدهشة حقا فهو أن قطاع السياحة بدأ يركز على ما يطلق عليه سياحة النوم TourismSleep حيث تلبي الفنادق وشركات الطيران الطلب المتزايد على الراحة والنوم الكافي ليلا. ويشمل ذلك علاجات السبا SPA المخصصة ووسائل الراحة المخصصة داخل الغرف والتقنيات المتطورة مثل أنظمة الإضاءة الذكية.
استثمار واعد
ليس هذا فقط ما يثير الدهشة في سوق النوم، فمؤخرا أصبح الخبراء ينظرون للنوم عالي الجودة باعتباره سلعة ثمينة أو رفاهية Luxury Good وذلك لتسليط الضوء على مشكلة الحرمان من النوم التي وصفتها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بأنها وباء صحي عام. ويعني ذلك أن معالجة الحرمان من النوم ضرورة اقتصادية تستدعي الاستثمار لأن الخسارة الاقتصادية الإجمالية الناجمة عن نقص النوم – وهي حتى الآن تتجاوز مئات المليارات من الدولارات سنويا- تفوق الأموال التي يتم استثمارها حاليا في صناعة النوم. ويعزز هذا المنطق أن المستهلكين باتوا أكثر استعدادا للإنفاق على المنتجات والخدمات التي تساعدهم في الحصول على قسط كافي من النوم الجيد.