يمثل قرار وكالة "ستاندرد آند بورز" برفع التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل لمصر إلى “B” بعد أن كان “B-”، خطوة جديدة تؤكد تنامي الثقة الدولية في الاقتصاد المصري، بعد فترة من التحديات المرتبطة بالتضخم وسعر الصرف والديون.
ويعكس القرار تقييمًا إيجابيًا للإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الدولة، سواء على مستوى السياسة النقدية باستقرار الجنيه وتراجع معدلات التضخم، أو على مستوى السياسة المالية عبر إحكام السيطرة على عجز الموازنة وتعزيز الانضباط المالي.
من جانبه، أوضح الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، في تصريحات خاصة لـ«الأهرام بيزنس»، أن رفع وكالة ستاندرد آند بورز لتصنيف مصر بعد سبع سنوات من الثبات يُعد إشارة قوية إلى استعادة الثقة في الاقتصاد المصري.
وأوضح أن هناك ثلاث وكالات تصنيف ائتماني كبرى هي: ستاندرد آند بورز، فيتش، وموديز، وتُعد مرجعًا رئيسيًا في تقييم قدرة الدول على سداد التزاماتها المالية. وتقوم هذه الوكالات بمراجعة تصنيف كل دولة مرتين سنويًا وفقًا لأدائها المالي والنقدي ومستوى المخاطر.
وشرح الفقي أن التصنيف الائتماني يعتمد على درجات تبدأ من «AAA» التي تعني أن الدولة خالية من المخاطر تمامًا، وتنخفض تدريجيًا مع زيادة درجة المخاطر. وكلما تراجع التصنيف زادت تكلفة الاقتراض الخارجي وصعوبة جذب الاستثمارات.
واستعرض الفقي تطور التصنيف المصري قائلًا: «في عام 2010، قبل أحداث ثورات الربيع العربي، كان تصنيف مصر عند مستوى (BB+)، وهو مستوى مريح نسبيًا، لكن عقب أحداث 2011 وما تلاها من اضطرابات، تراجع التصنيف إلى نحو (CCC+) في ظل غياب الاستقرار وتراجع السياحة والاستثمارات».
وأضاف أن تلك الفترة كانت من أصعب مراحل الاقتصاد المصري، إذ توقفت مؤسسات التمويل الدولية عن الإقراض، ورفض كثير من شركاء التنمية الدخول في مشروعات جديدة. ومع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تغيرت الصورة تدريجيًا، خاصة بعد أن التزمت مصر بتنفيذ بنود البرنامج رغم الفجوة التمويلية الكبيرة التي بلغت نحو 35 مليار دولار آنذاك، بينما قدم الصندوق تمويلًا بقيمة 12 مليار دولار فقط.
وأوضح أن التصنيف الحالي يعكس ثمرة هذه الإصلاحات، وأن استمرار الانضباط المالي والسياسات النقدية الرشيدة سيُسهم في تحسين التصنيف لمستويات أقوى خلال الفترة المقبلة، بما يدعم جذب الاستثمارات ويعزز مكانة مصر في الأسواق الدولية.
ومن جانبه، يري محمد البهي، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصناعات المصرية، أن رفع التصنيف الائتماني لمصر إلى “B” يعكس تحولاً في الموازين الاقتصادية، ويُبرِز أن الإصلاحات التي شهدتها البلاد لم تكن مجرد إجراءات شكلية.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«الأهرام بيزنس»، أن هذا التطور لم يأتِ بمعزل عن مجموعة من العوامل الاقتصادية المتكاملة: أولًا، تحويلات المصريين في الخارج وضخّهم للأموال أدت إلى تعزيز قوة الجنيه وزيادة الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات غير مسبوقة، ما ساهم في استقرار المشهد المالي والنقدي.
ثانيًا، يرى البهي أن قيادة البنك المركزي مهمة للغاية، المحافظ الجديد يُعد شخصية محترفة، وقد سبق له تحقيق النجاحات في إدارة مالية، وهو القادر على توجيه السياسة النقدية بصورة تدعم معدلات النمو وتحسين الأداء الاقتصادي العام.
ثالثًا، يشير البهي إلى أن دكتور أحمد كجوك وزير المالية الحالي حين تسلّم الوزارة أدرك أن التوقيت مهم، وفهم أن موجة الإصلاح الضريبي لا بد أن تُنفذ بخطوات مدروسة.
وأضاف أن قانون الضرائب الصادر في 2005 في عهد بطرس غالي كانت له أهمية كبيرة في ترسيخ الثقة الضريبية، وأن الشراكة بين الدولة والممولين يجب أن تكون مبنية على الثقة وليس على نهج “الغُرامات فقط”.
رابعًا، يرى البهي أن القطاع الصناعي سيكون من أبرز المستفيدين من هذا التحسّن التصنيفي. مع انخفاض تكلفة الأموال، يمكن أن تشهد المصانع خفضًا في الفوائد، مما يُسهم في توسعات أفقية، وزيادة خطوط الإنتاج، وإنشاء مجمّعات صناعية جديدة في المناطق الصحراوية.
وأكد أن رفع التصنيف الائتماني ليس غاية في حد ذاته، بل هو فرصة لتفعيل الإصلاحات الحقيقية في الصناعة والمالية والبنية التحتية، وأن الحكومة والصناعة يجب أن تستغلا هذه الثقة الدولية لبناء اقتصاد قوي ومتوازن.
و أوضح الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن هذا الرفع يعكس تحسن مؤشرات الأداء الاقتصادي المصري خلال الشهور الماضية، مشيرًا إلى أن الاحتياطيات الأجنبية اقتربت من 50 مليار دولار، وهو ما يعكس قوة الموقف النقدي، إلى جانب انتعاش قطاع السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، فضلًا عن القضاء على السوق السوداء للعملة، وهي جميعها عوامل دعمت الثقة في قدرة الدولة على تحقيق استقرار مالي ونقدي مستدام.
وأضاف الإدريسي أن انخفاض معدلات التضخم بنسبة 11.8% مقارنة بالعام الماضي يعد مؤشرًا إيجابيًا على نجاح السياسة النقدية، موضحًا أن تراجع معدل زيادة الأسعار يشجع على ضخ مزيد من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، ويؤكد أن الدولة تراهن على هذا التحسن كأداة رئيسية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن رفع التصنيف الائتماني سينعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض الخارجي لمصر، إذ يفتح الباب أمام تخفيض متوسط العائد على السندات الدولية بنحو 50 إلى 70 نقطة أساس، بما يخفف من أعباء خدمة الدين الخارجي الذي يقترب من 165 مليار دولار، ويمنح كذلك ثقة أكبر للمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، للاستمرار في دعم برامج الإصلاح الاقتصادي في مصر.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن أكثر القطاعات المستفيدة من هذا القرار هي قطاع البنوك والاستثمار المباشر، نظرًا لانخفاض تكلفة التمويل الخارجي وزيادة تدفقات العملة الأجنبية، إلى جانب توقعات بارتفاع شهية المستثمرين لضخ رؤوس أموال جديدة في العقارات والطاقة المتجددة والبنية التحتية، وهي القطاعات التي تمثل حاليًا أكثر من 60% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر.
كما أشار إلى أن سوق المال المصرية ستشهد تحسنًا في مستويات السيولة وتدفقات المحافظ الأجنبية خلال الربع الأخير من العام، بدعم من حالة الثقة المتزايدة وتقليص المخاطر المرتبطة بالدين العام وسعر الصرف.
وأكد الإدريسي أن النظرة المستقبلية المستقرة التي أبقتها الوكالة تعكس توقعاتها باستمرار التحسن في المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة، لا سيما مع التزام الدولة ببرنامج الخصخصة وتوسيع دور القطاع الخاص ورفع معدلات النمو إلى نحو 4.1% في 2025 و4.3% في 2026.
وأكد إن رفع التصنيف الائتماني لمصر "يمثل رسالة طمأنة جديدة للأسواق العالمية بأن الاقتصاد المصري يسير في مسار الإصلاح بثقة واستقرار، وأن الإجراءات الحكومية بدأت تؤتي ثمارها الفعلية في جذب الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام".